الصفحة الرئيسية

الأربعاء، 25 يناير، 2012

( 13 ) إرشاد الفحول لتحقيق الحق من علم الأصول المقصد الثالث: الإجماع الفصل الأول: في مسماه لغة واصطلاحا



إرشاد الفحول لتحقيق الحق من علم الأصول
المقصد الثالث: الإجماع
الفصل الأول: في مسماه لغة واصطلاحا
...
المقصد الثالث: الإجماع
البحث الأول: في مسماه لغة واصطلاحًا
قال في "المحصول": الإجماع يقال بالاشتراك على معنيين:
أحدهما: العزم. قال الله تعالى: {فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ} 1.
وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل" 2.
وثانيهما: الاتفاق. يقال: أجمع القوم على كذا أي صاروا ذوي جمع كما يقال ألبن، وأتمر إذا صار ذا لبن، وذا تمر. انتهى.
واعترض على هذا بأن إجماع الأمة يتعدى بعلى، والإجماع بمعنى العزيمة لا يتعدى بعلى، وأجيب عنه بما حكاه ابن فارس في "المقاييس"3 فإنه قال: يقال: أجمعت على الأمر إجماعًا وأجمعته.
وقد جزم بكونه مشتركًا بين المعنيين أيضًا الغزالي.
وقال القاضي: العزم يرجع إلى الاتفاق؛ لأن من اتفق على شيء فقد عزم عليه.
وقال ابن برهان وابن السمعاني: الأول أي: العزم أشبه باللغة، والثاني أي: الاتفاق أشبه بالشرع. انتهى.
ويجاب عنه: بأن الثاني وإن كان أشبه بالشرع فذلك لا ينافي كونه معنى لغويا، وكون اللفظ مشتركًا بينه وبين العزم قال أبو علي الفارسي: يقال: أجمع القوم إذا صاروا ذوي جمع كما يقال: ألبن وأتمر إذا صار ذا لبن وتمر. وأما في الاصطلاح: فهو اتفاق مجتهدي أمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد وفاته في عصر من الأعصار على أمر من الأمور.
__________
1 جزء من الآية "71" من سورة يونس.
2 أخرجه النسائي من حديث حفصة رضي الله عنها في كتاب الصيام باب ذكر اختلاف الناقلين لخبر حفصة في ذلك "2334" 4/ 197. والترمذي في كتاب الصوم باب ما جاء لا صيام لمن لم يعزم من الليل "730". وأبو داود كتاب الصيام باب النية في الصيام "2454". وابن ماجه في كتاب الصيام باب ما جاء في فرض الصوم من الليل والخيار في الصوم "1700". والدارمي في سننه في كتاب الصيام باب من لم يجمع الصيام من الليل "1650". وابن خزيمة في صحيحه برقم "1933".
3 واسمه: "مقاييس اللغة"، لأحمد بن فارس بين زكريا، وهو كتاب كما وصفه ياقوت الحموي: كتاب جليل، لم يصنف مثله، ويعني ابن فارس بكلمة مقاييسه "الاشتقاق الكبير"، الذي يرجع مفردات كل مادة إلى معنى أو معانٍ تشترك فيها هذه المفردات. ا. هـ. مقاييس اللغة مقدمة النشر.
(1/193)

والمراد بالاتفاق الاشتراك: إما في الاعتقاد أو في القول، أو في الفعل.
ويخرج بقوله: مجتهدي أمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، اتفاق العوام، فإنه لا عبرة بوفاتهم ولا بخلافهم. ويخرج منه أيضًا اتفاق بعض المجتهدين.
وبالإضافة إلى أمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرج اتفاق الأمم السابقة.
ويخرج بقوله بعد وفاته الإجماع في عصره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإنه لا اعتبار به.
ويخرج بقوله في عصر من الأعصار ما يتوهم من أن المراد بالمجتهدين جميع مجتهدي الأمة في جميع الأعصار إلى يوم القيامة فإن هذا توهم باطل؛ لأنه يؤدي إلى عدم ثبوت الإجماع؛ إذ لا إجماع يوم القيامة وبعد يوم القيامة لا حاجة للإجماع.
والمراد بالعصر عصر من كان من أهل الاجتهاد في الوقت الذي حدثت فيه المسألة فلا يعتد بمن صار مجتهدًا بعد حدوثها وإن كان المجتهدون فيها أحياء.
وقوله: على أمر من الأمور يتناول الشرعيات والعقليات والعرفيات، واللغويات.
ومن اشترط في حجية الإجماع انقراض عصر المجتهدين المتفقين على ذلك الأمر زاد في الحد قيد الانقراض.
ومن اشترط عدم سبق خلاف مستقر، زاد في الحد قيد عدم كونه مسبوقًا بخلاف.
ومن اشترط عدالة المتفقين أو بلوغهم عدد التواتر زاد في الحد ما يفيد ذلك.
(1/194)

الفصل الثاني: في إمكان الإجماع في نفسه
...
البحث الثاني: في إمكان الإجماع في نفسه
المقام الأول:
فقال قوم منهم النظام وبعض الشيعة: بإحالة إمكان الإجماع.
قالوا: إن اتفاقهم على الحكم الواحد، الذي لا يكون معلومًا بالضرورة محال، كما أن اتفاقهم في الساعة الواحدة، على المأكول الواحد والتكلم بالكلمة الواحدة محال.
وأجيب: بأن الاتفاق إنما يمتنع فيما يستوي فيه الاحتمال كالمأكول المعين والكلمة المعينة أما عند الرجحان بقيام الدلالة أو الأمارة الظاهرة فذلك غير ممتنع وذلك كاتفاق الجمع العظيم على نبوة نبينا محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قالوا ثانيًا: إن اتفاقهم فرع تساويهم في نقل الحكم إليهم، وانتشارهم في الأقطار يمنع نقل الحكم إليهم.
وأجيب: بمنع كون الانتشار يمنع ذلك من جدهم في الطلب، وبحثهم عن الأدلة، وإنما
(1/194)

يمتنع ذلك على من قعد في قعر بيته لا يبحث ولا يطلب.
قالوا ثالثًا: الاتفاق إما عن قاطع أو ظني وكلاهما باطل أما القاطع فلأن العادة تحيل عدم نقله فلو كان لنقل، فلما لم ينقل علم أنه لم يوجد، كيف ولو نقل لأغنى عن الإجماع.
وأما الظني: فلأنه يمتنع الاتفاق عادة لاختلاف الأفهام وتباين الأنظار.
وأجيب: بمنع ما ذكر في القاطع؛ إذ قد يستغني عن نقله بحصول الإجماع، الذي هو أقوى منه.
وأما الظني فقد يكون جليًّا لا تختلف فيه الأفهام ولا تتباين فيه الأنظار، فهذا -أعني منع إمكان الإجماع في نفسه- هو المقام الأول.
المقام الثاني:
على تقدير تسليم إمكانه في نفسه منع إمكان العلم به.
فقالوا: لا طريق لنا إلى العلم بحصوله لأن العلم بالأشياء إما أن يكون وجدانيًّا، أو لا يكون وجدانيًّا.
أما الوجداني: فكما يجد أحدنا من نفسه من جوعه وعطشه ولذته، وألمه ولا شك أن العلم باتفاق أمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ليس من هذا الباب.
وأما الذي لا يكون وجدانيًّا فقد اتفقوا على أن الطريق إلى معرفته لا مجال للعقل فيها؛ إذ كون الشخص الفلاني قال بهذا القول أو لم يقل به ليس من حكم العقل بالاتفاق، ولا مجال أيضًا للحس فيها لأن الإحساس بكلام الغير لا يكون إلا بعد معرفته، فإذًا العلم باتفاق الأمة لا يحصل إلا بعد معرفة كل واحد منهم، وذلك متعذر قطعًا ومن ذلك الذي يعرف جميع المجتهدين من الأمة في الشرق والغرب وسائر البلاد الإسلامية فإن العمر يفنى دون مجرد البلوغ إلى كل مكان من الأمكنة التي يسكنها أهل العلم فضلًا عن اختبار أحوالهم، ومعرفة من هو من أهل الإجماع منهم، ومن لم يكن من أهله ومعرفة كونه قال بذلك أو لم يقل به، والبحث عمن هو خامل من أهل الاجتهاد بحيث لا يخفى على الناقل فرد من أفرادهم فإن ذلك قد يخفى على الباحث في المدينة الواحدة، فضلًا عن الإقليم الواحد، فضلًا عن جميع الأقاليم التي فيها أهل الإسلام، ومن أنصف من نفسه علم أنه لا علم عند علماء الشرق بجملة علماء الغرب والعكس فضلًا عن العلم بكل واحد منهم على التفصيل وبكيفية مذهبه وبما يقوله في تلك المسألة بعينها
(1/195)

وأيضًا: قد يحمل بعض من يعتبر في الإجماع على الموافقة، وعدم الظهور بالخلاف التقية والخوف على نفسه، كما أن ذلك معلوم في كل طائفة من طوائف أهل الإسلام فإنهم قد يعتقدون شيئًا إذا خالفهم فيه مخالف خشي على نفسه من مضرتهم.
وعلى تقدير إمكان معرفة ما عند كل واحد من أهل بلد وإجماعهم على أمر فيمكن أن يرجعوا عنه أو يرجع بعضهم قبل أن يجمع "عليه"* أهل بلدة أخرى بل لو فرضنا حتمًا اجتماع العالم بأسرهم في موضع واحد ورفعوا أصواتهم دفعة واحدة قائلين قد اتفقنا على الحكم الفلاني فإن هذا مع امتناعه لا يفيد العلم بالإجماع؛ لاحتمال أن يكون بعضهم مخالفًا فيه وسكت تقية وخوفًا على نفسه.
وأما ما قيل: من أنا نعلم بالضرورة اتفاق المسلمين على نبوة نبينا محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإن أراد الاتفاق باطنًا وظاهرًا فذلك مما لا سبيل إليه ألبتة والعلم بامتناعه ضروري، وإن أراد ظاهرًا فقط استنادًا إلى الشهرة والاستفاضة، فليس هذا هو المعتبر في الإجماع، بل المعتبر فيه: العلم بما يعتقده كل واحد من المجتهدين في تلك المسألة بعد معرفة أنه لا حاصل له على الموافقة، وأنه يدين الله بذلك ظاهرًا وباطنًا، ولا يمكنه معرفة ذلك منه إلا بعد معرفته بعينه ومن ادعى أنه يتمكن الناقل للإجماع من معرفة كل من يعتبر فيه من علماء الدنيا، فقد أسرف في الدعوى وجازف في القول لما قدمنا من تعذر ذلك تعذرًا ظاهرًا واضحًا.
ورحم الله الإمام أحمد بن حنبل فإنه قال: من ادعى "وجود"** الإجماع فهو كاذب.
والعجب من اشتداد نكير القاضي أبي بكر على من أنكر تصور وقوع الإجماع عادة فإن إنكاره على المنكر هو المنكر.
وفصل الجويني بين كليات الدين، فلا يمتنع الإجماع عليها وبين المسائل المظنونة قلا يتصور الإجماع عليها عادة.
ولا وجه لهذا التفصيل، فإن النزاع إنما هو في المسائل التي دليلها الإجماع وكليات الدين معلومة بالأدلة القطعية من الكتاب والسنة.
وجعل الأصفهاني الخلاف في غير إجماع الصحابة، وقال: الحق تعذر الاطلاع على الإجماع لا إجماع الصحابة حيث كان المجمعون وهم العلماء منهم في قلة، وأما الآن وبعد انتشار الإسلام وكثرة العلماء فلا مطمع للعلم به.
قال: وهو اختيار أحمد مع قرب عهده من الصحابة، وقوة حفظه وشدة اطلاعه على الأمور
__________
* ما بين قوسين ساقط من "أ".
** في "أ" وجوب.
(1/196)

الأمور النقلية. قال: والمنصف يعلم أنه لا خبر له من الإجماع إلا ما يجده مكتوبًا في الكتب، ومن البين أنه لا يحصل"الاطلاع"* إلا بالسماع منهم أو بنقل أهل التواتر إلينا، ولا سبيل إلى ذلك إلا في عصر الصحابة، وأما من بعدهم فلا. انتهى.
المقام الثالث: النظر في نقل الإجماع إلى من يحتج به
قالوا: لو سلمنا إمكان ثبوت الإجماع عند الإجماع عند الناقلين له لكان نقله إلى من يحتج به من بعدهم مستحيل؛ لأن طريق نقله إما التواتر أو الآحاد، والعادة تحيل النقل تواترًا لبعد أن يشاهد أهل التواتر كل واحد من المجتهدين شرقًا وغربًا "ويسمعون"** ذلك منهم، ثم "ينقلونه"*** إلى عدد متواتر ممن بعدهم، ثم كذلك في كل طبقة إلى أن يتصل "بنا"****.
وأما الآحاد: فغير معمول به في نقل الإجماع كما سيأتي1.
وأجيب: بأنه تشكيك في ضروري للقطع بإجماع أهل كل عصر على تقديم القاطع على المظنون، ولا يخفاك ما في هذا الجواب من المصادرة على المطلوب وأيضًا كون ذلك معلومًا ليس من جهة نقل الإجماع عليه، بل من جهة كون كل متشرع لا يقدم الدليل الظني على القطعي ولا يجوز منه ذلك لأنه إيثار للحجة الضعيفة على الحجة القوية، وكل عاقل لا يصدر منه ذلك.
المقام الرابع:
اختلف على تقدير تسليم إمكانه في نفسه وإمكان العلم به وإمكان نقله إلينا، هل هو حجة شرعية؟
فذهب الجمهور إلى كونه حجة.
وذهب النظام والإمامية، وبعض الخوارج إلى أنه: ليس بحجة، وإنما الحجة مستندة،
__________
* في "أ": الاطلاع عليه.
** في "أ": يسمعوا.
*** في "أ": ينقلوا.
**** في "أ": به.
__________
1 انظر صفحة: "210".
(1/197)

إن ظهر لنا، وإن لم يظهر لم نقدر للإجماع دليلًا تقوم به الحجة.
واختلف القائلون بالحجية، هل الدليل على حجيته العقل والسمع، أم السمع فقط؟
فذهب أكثرهم إلى أن الدليل على ذلك إنما هو السمع فقط، ومنعوا ثبوته من جهة العقل.
قالوا: لأن العدد الكثير وإن بعد في العقل اجتماعهم على الكذب فلا يبعد اجتماعهم على الخطأ كاجتماع الكفار على جحد النبوة.
وقال جماعة منهم أيضًا: إنه لا يصح الاستدلال على ثبوت الإجماع بالإجماع، كقولهم: إنهم أجمعوا على تخطئة المخالف للإجماع؛ لأن ذلك إثبات للشيء بنفسه وهو باطل فإن قالوا: إن الإجماع دل على نص قاطع في تخطئة المخالف ففيه إثبات الإجماع بنص يتوقف على الإجماع وهو دور.
وأجيب: بأن ثبوت هذه الصورة من الإجماع ودلالتها على وجود النص لا يتوقف على كون الإجماع حجة فلا دور ولا يخفاك ما في هذا الجواب من التعسف الظاهر.
ولا يصح أيضًا الاستدلال عليه بالقياس لأنه مظنون ولا يحتج بالمظنون على القطعي فلم يبق إلا دليل النقل من الكتاب والسنة.
فمن جملة ما استدلوا به قوله سبحانه: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} 1.
ووجه الاستدلال بهذه الآية أنه سبحانه جمع بين مشاقة الرسول وأتباع غير سبيل المؤمنين في الوعيد فلو كان اتباع غير سبيل المؤمنين مباحًا لما جمع بينه وبين المحظور فثبت أن متابعة غير سبيل المؤمنين "محظورة، ومتابعة غير سبيل المؤمنين"* عبارة عن متابعة قول أو فتوى يخالف قولهم أو فتواهم وإذا كانت تلك محظورة وجب أن تكون متابعة قولهم وفتواهم واجبة.
وأجيب: بأنا لا نسلم أن المراد بسبيل المؤمنين في الآية هو إجماعهم لاحتمال أن يكون المراد سبيلهم في متابعة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو في مناصرته أو في الاقتداء به أو فيما به صاروا مؤمنين وهو الإيمان به ومع الاحتمال لا يتم الاستدلال.
قال في "المحصول": إن المشاقة عبارة عن الكفر بالرسول وتكذيبه، وإذا كان كذلك لزم
__________
* ما بين قوسين ساقط من "أ".
__________
1 آية "115" من سورة النساء.
(1/198)

وجوب العمل بالإجماع عند تكذيب الرسول وذلك باطل؛ لأن العلم بصحة الإجماع متوقف على العلم بالنبوة.
ويجاب: بأن العمل به حال عدم العلم بالنبوة يكون تكليفًا بالجمع بين الضدين، وهو محال، ثم قال: لا نسلم أنه إذا كان اتباع غير سبيل المؤمنين حرامًا عند المشاقة كان اتباع سبيل المؤمنين، واجبًا عند المشاقة لأن بين القسمين ثالثًا وهو عدم الاتباع أصلًا.
سلمنا أنه يجب اتباع سبيل المؤمنين عند المشاقة، ولكن لا نسلم أنه ممتنع.
قوله: المشاقة لا تحصل إلا عند الكفر، وإيجاب العمل عند حصول الكفر محال.
قلنا: لا نسلم أن المشاقة لا تحصل إلا مع الكفر، بيانه: أن المشاقة مشتقة من كون أحد الشخصين في شق والآخر في الشق الآخر، وذلك يكفي فيه أصل المخالفة سواء بلغ حد الكفر أو لم يبلغه.
سلمنا أن المشاقة لا تحصل إلا عند الكفر فلمَ قلتم: إن حصول الكفر ينافي العمل بالإجماع؟ فإن الكفر بالرسول كما يكون بالجهل بكونه صادقًا فقد يكون أيضًا بأمور أخر كشد الزنار1 ولبس الغيار2 وإلقاء المصحف في القاذورات، والاستخفاف بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مع الاعتراف بكونه نبيًّا وإنكار نبوته باللسان مع العلم بكونه نبيًّا وشيء من هذه الأنواع "كفر"* لا ينافي العلم بوجوب الإجماع.
ثم قال: سلمنا أن الآية تقتضي المنع من متابعة غير سبيل المؤمنين، لا بشرط مشاقة الرسول لكن بشرط تبين الهدى أولًا. بهذا الشرط الأول مسلم، والثاني ممنوع؛ لأنه ذكر مشاقة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وشرط فيها تبين الهدى، ثم عطف عليها اتباع غير سبيل المؤمنين، فيجب أن يكون تبين الهدى شرطًا في التوعد على "اتباع"** غير سبيل المؤمنين "لأن ما كان شرطًا في المعطوف عليه يجب أن يكون شرطًا في المعطوف، واللام في الهدي للاستغراق، فليزم أن لا يحصل التوعد على"*** اتباع غير سبيل المؤمنين إلا عند تبين جميع أنواع الهدى، ومن جملة
__________
* في "ب": من الكفر.
** في "ب": متابعة.
*** مابين قوسين ساقط من "أ".
__________
1 الزنار: علامة للكفار، وهو خيط رفيع غليظ على أوساطهم خارج الثياب، وليس لهم إبداله بما يلطف كالمنديل "شفاء الغليل: 145".
2 الغيار: هو علامة للكفار كالزنار؛ وفي شرح المهذب: أن يخطوا على ثيابهم الظاهرة ما يخالف لونه لونها، وتكون الخياطة على الكتف دون الذيل، والأشبه أن لا تختص بالكتف "شفاء الغليل للخفاجي: 145".
(1/199)

أنواع الهدى ذلك الدليل الذي لأجله ذهب أهل الإجماع إلى ذلك الحكم وعلى هذا التقدير لا يبقى للتمسك بالإجماع فائدة، "وأيضًا"* فالإنسان إذا قال لغيره: إذا تبين لك صدق فلان فاتبعه، فهم منه تبين صدق قوله بشيء غير قوله، فكذا هنا وجب أن يكون تبين صحة إجماعهم بشيء وراء الإجماع، وإذا كنا لا نتمسك بالإجماع إلا بعد دليل منفصل على صحة ما أجمعوا عليه لم يبق للتمسك بالإجماع فائدة.
سلمنا أنها تقتضي المنع "من"** متابعة غير سبيل المؤمنين ولكن هل المراد عن كل ما كان غير سبيل المؤمنين أو عن متابعة بعض ما كان كذلك. الأول "ممتنع"*** وبتقدير التسليم فالاستدلال ساقط أما المنع فلأن لفظ الغير ولفظ السبيل كل واحد منهما لفظ مفرد فلا يفيد العموم، وأما بتقدير التسليم فالاستدلال ساقط لأنه يصير معنى الآية: أن من اتبع كل ما كان مغايرًا لكل ما كان سبيل المؤمنين يستحق العقاب، والثاني مسلم ونقول بموجبه فإن عندنا يحرم بعض ما غاير بعض سبيل المؤمنين وهو السبيل الذي صاروا به مؤمنين والذي يغايره هو الكفر بالله وتكذيب الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهذا التأويل متعين لوجهين:
"أحدهما"****: "أنا"***** إذا قلنا: لا تتبع غير سبيل الصالحين فهم منه المنع من متابعة غير سبيل الصالحين فيما صاروا به صالحين، ولا يفهم منه المنع من متابعة سبيل غير الصالحين في كل شيء حتى الأكل والشرب.
والثاني: أن الآية نزلت في رجل ارتد وذلك يدل على أن الغرض منها المنع من الكفر.
"سلمنا خطر اتباع"****** غير سبيلهم مطلقًا لكن لفظ السبيل حقيقة في الطريق الذي يحصل فيه المشي وهو غير مراد هنا بالاتفاق فصار الظاهر متروكًا ولا بد من صرفه إلى المجاز، وليس البعض أولى من البعض فتبقى الآية مجملة.
وأيضًا: فإنه لا يمكن جعله مجازًا عن اتفاق الأمة على الحكم لأنه لا مناسبة ألبتة بين الطريق المسلوك وبين اتفاق أمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على شيء من الأحكام، وشرط حسن التجوز حصول المناسبة
__________
* في "أ": أيضًا.
** في "أ": عن.
*** في "أ": ممنوع.
**** ما بين قوسين ساقط من "أ".
***** في "أ": لأنا.
****** في "أ": الثاني أن الآية غير سبيلهم إلخ وهو تحريف كما هو في هامشها.
(1/200)

سلمنا أنه: يجوز جعله مجازًا عن ذلك الاتفاق، لكن يجوز أيضًا جعله مجازًا عن الدليل الذي لأجله اتفقوا على ذلك الحكم فإنهم إذا أجمعوا على الشيء فإما أن يكون الإجماع عن استدلال "أو لا عن استدلال فإن كان عن استدلال"* فقد حصل لهم سبيلان: الفتوى والاستدلال عليه فلم كان حمل الآية على الفتوى أولى من حملها على الاستدلال؟ بل هذا أولى فإن بين الدليل الذي يدل على ثبوت الحكم، وبين الطريق الذي يحصل فيه المشي مشابهة فإنه كما أن الحركة البدنية في الطريق المسلوكة توصل البدن إلى المطلوب هكذا الحركة الذهنية في مقدمات ذلك الدليل موصلة للذهن إلى المطلوب والمشابهة إحدى جهات حسن المجاز.
وإذا كان كذلك كانت الآية تقتضي إيجاب اتباعهم في سلوك الطريق الذي لأجله اتفقوا على الحكم ويرجع حاصله إلى إيجاب الاستدلال، بما استدلوا به على ذلك الحكم وحينئذ يخرج الإجماع عن كونه حجة.
وأما إن كان إجماعهم لا عن استدلال فالقول لا عن استدلال خطأ فيلزم إجماعهم على الخطأ وذلك يقدح في صحة الإجماع.
ثم قال: سلمنا دلالة الآية على وجوب المتابعة، لكنها إما أن تدل على "وجوب"** متابعة بعض المؤمنين أو كلهم الأول باطل لأن لفظ المؤمنين جمع فيفيد الاستغراق لأن إجماع البعض غير معتبر بالإجماع ولأن أقوال الفرق متناقضة، والثاني مسلم ولكن كل المؤمنين هم الذين يوجدون إلى يوم القيامة فلا يكون الموجودون في العصر كل المؤمنين فلا يكون إجماعهم إجماع كل المؤمنين.
فإن قلت: المؤمنون هم المصدقون "وهم"*** والموجودون، وأما الذين لم يوجدوا بعد فليسوا المؤمنين.
قلت: إذا وجد أهل العصر الثاني لا يصح القول بأن أهل العصر الأول هم كل المؤمنين فلا يكون إجماع أهل العصر الأول عند حضور أهل العصر الثاني. قولًا لكل المؤمنين فلا يكون إجماع أهل العصر الأول حجة على أهل العصر الثاني.
سلمنا أن أهل العصر هم كل المؤمنين، لكن الآية إنما نزلت في زمان الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فتكون الآية مختصة بمؤمني ذلك الوقت، وهذا يقتضي أن يكون إجماعهم حجة لكن التمسك
__________
* ما بين قوسين ساقط من "أ".
** ما بين قوسين ساقط من "أ".
*** ما بين قوسين ساقط من "أ".
(1/201)

بالإجماع إنما ينفع بعد وفاة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فمهما لم يثبت أن الذين كانوا موجودين عند نزول هذه الآية بقوا بأسرهم إلى بعد وفاة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأنها اتفقت كلمتهم على الحكم الواحد لم تدل هذه الآية على صحة ذلك الإجماع، ولكن ذلك غير معلوم في شيء من الاجماعات الموجودة في المسائل، بل المعلوم خلافه لأن كثيرًا منهم مات زمان حياة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فسقط الاستدلال بهذه الآية.
ثم قال: سلمنا دلالة الآية على كون الإجماع حجة، لكن دلالة قطعية أم ظنية؟ الأول ممنوع والثاني مسلم. لكن المسألة قطعية فلا يجوز التمسك فيها بالأدلة الظنية.
قال: فإن قلت: إنا نجعل هذه المسألة ظنية.
قلت: إن أحدًا من الأئمة لم يقل إن الإجماع المنعقد بصريح القول دليل ظني، بل كلهم نفوا ذلك فإن منهم من نفى كونه دليلًا أصلًا، ومنهم من جعله دليلًا قاطعًا فلو اثبتناه دليلًا ظنيًّا لكان هذا تخطئة لكل الأمة وذلك يقدح في الإجماع.
والعجب من الفقهاء أنهم أثبتوا الإجماع بعمومات الآيات والأخبار، وأجمعوا على أن المنكر لما تدل عليه العمومات لا يكفر، ولا يفسق إذا كان ذلك الإنكار لتأويل ثم يقولون الحكم الذي دل عليه الإجماع مقطوع، ومخالفه كافر وفاسق فكأنهم قد جعلوا الفرع أقوى من الأصل وذلك غفلة عظيمة.
سلمنا دلالة هذه الآية على أن الإجماع حجة لكنها معارضة بالكتاب والسنة والعقل.
أما الكتاب: فكل ما فيه منع لكل الأمة من القول "بالباطل"* والفعل الباطل كقوله: {وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُون} 1 {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلْ} 2؛ والنهي عن الشيء لا يجوز، إلا إذا كان المنهي عنه متصورا.
وأما السنة فكثير، منها: قصة معاذ فإنه لم يجر فيها ذكر الإجماع، ولو كان ذلك مدرجًا شرعيًّا لما جاز الإخلال بذكره عند اشتداد الحاجة إليه؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
ومنها قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لا تقوم الساعة إلا على شرار أمتي" 3.
__________
* في "أ": الباطل.
__________
1 جزء من الآية "169" البقرة والآية "33" من سورة الأعراف.
2 جزء من الآية "188" من سورة البقرة.
3 أجرجه مسلم من حديث عبد الله بن عمرو، كتاب الإمارة، باب قوله: صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم" "1924". وأخرجه الطبراني عن عقبة "17/ 870" عن أحمد بن رشدين عن أحمد بن صالح عن ابن وهب وأيضًا من طريق سعيد بن أبي مريم عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب "17/ 869". وابن حبان في صحيحه "6836".
(1/202)

ومنها قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض" 1.
وقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالمًا اتخذ الناس رءوسًا جهالًا فسألوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا" 2.
وقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "تعلموا الفرائض، وعلموها الناس؛ فإنها أول ما ينسى" 3.
وقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "من أشراط الساعة أن يرتفع العلم ويكثر الجهل" 4.
وهذه الأحاديث بأسرها تدل على خلو الزمان عمن يقوم بالواجبات.
وأما المعقول فمن وجهين:
الأول: أن كل واحد من الأمة جاز الخطأ عليه، فوجب جوازه على الكل كما أنه لما كان كل واحد من الزنج أسود، كان الكل أسود.
الثاني: أن ذلك الإجماع إما أن يكون لدلالة أو لأمارة، فإن كان لدلالة فالواقعة التي أجمع عليها كل علماء العالم تكون واقعة عظيمة، ومثل هذه الواقعة مما تتوفر الدواعي على نقل الدليل القاطع الذي لأجله أجمعوا وكان ينبغي اشتهار تلك الدلالة، وحينئذ لا يبقى في التمسك
__________
1 أخرجه البخاري من حديث ابن عمر، كتاب الديات، باب قوله تعالى: {وَمَنْ أَحْيَاهَا} "6868". ومسلم، كتاب الإيمان، باب معنى قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لا ترجعوا بعدي كفارًا" "66". وأبو داود كتاب السنة، باب الدليل على زيادة الإيمان "4686". وابن أبي شيبة "15/ 30". والإمام أحمد في مسنده "2/ 85". وابن حبان في صحيحه "187". والنسائي، كتاب تحريم الذم، باب تحرير القتل "7/ 126". وابن ماجه، كتاب الفتن، باب لا ترجعوا بعدي كفارًا "3943".
2 أخرجه البخاري من حديث عبد الله بن عمرو، كتاب العلم، باب كيف يطلب العلم "100"، ومسلم، كتاب العلم، باب رفع العلم وقبضه "2673". والترمذي، كتاب العلم، باب ما جاء في ذهاب العلم "2652". وابن ماجه، المقدمة "52". الدارمي "1/ 77". وأحمد في مسنده "2/ 162، 190". وابن عبد البر في كتاب "جامع بيان العلم وفضله" "1/ 148-149". وابن حبان في صحيحه "4571".
3 أخرج الترمذي في حديث أبي هريرة بنحوه، كتاب الفرائض، باب ما جاء في تعليم الفرائض "2091" وابن ماجه، كتاب الفرائض، باب الحث على تعليم الفرائض "2719". والحاكم في المستدرك، كتاب الفرائض "4/ 332". وفي الباب من طريق عبد الله بن مسعود. وقال الذهبي: فيه حفص وهو واهٍ وذكره الحافظ المناوي في فيض القدير "3326". وقال ابن حجر: مدراه على حفص هذا وهو متروك.
4 أخرجه مسلم من حديث أنس بن مالك، كتاب العلم، باب رفع العلم وقبضه "2671". وابن ماجه، كتاب الفتن، باب أشراط الساعة "4045". وعبد الرزاق في المصنف "20801". وأحمد في المسند "3/ 176". وأبو يعلى في مسنده "2892".
(1/203)

بالإجماع فائدة، وإن كان لأمارة فهو محال؛ لأن الأمارات يختلف حال الناس فيها، فيستحيل اتفاق الخلق على مقتضاها، ولأن في الأمة من لم يقل بقول الأمارة حجة، لا يمكن اتفاقهم لأجل الأمارة على الحكم وإن كان لا لدلالة ولا لأمارة كان ذلك خطأ بالإجماع فلو اتفقوا عليه لكانوا متفقين على الباطل، وذلك قادح في الإجماع، هذا كلام صاحب المحصول وقد أسقطنا منه ما فيه ضعف وما اشتمل على تعسف وفي الذي ذكرناه ما يحتمل المناقشة.
وقد أجاب عن هذا الذي ذكرناه عنه بجوابات متعسفة، يستدعي ذكرها ذكر الجواب عليها منا فيطول البحث جدًّا، ولكنك إذا عرفت ما قدمناه1 كما ينبغي، علمت أن الآية لا تدل على مطلوب المستدلين منها.
ومن جملة ما استدلوا به قوله سبحانه: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} 2.
فأخبر سبحانه عن كون هذه الأمة وسطًا، والوسط من كل شيء خياره فيكون تعالى قد أخبر عن خيرية هذه الأمة، فلو أقدموا على شيء من المحظورات لما اتصفوا بالخيرية، وإذا ثبت أنهم لم يقدمون على شيء من المحظورات وجب أن يكون قولهم حجة.
لا يقال: الآية متروكة الظاهر؛ لأن وصف الأمة بالعدالة يقتضي اتصاف كل واحد منهم بها، وخلاف ذلك معلوم بالضرورة لأنا نقول يتعين تعديلهم فيما يجتمعون عليه وحينئذ تجب عصمتهم عن الخطأ قولًا وفعلا، هذا تقرير الاستدلال بهذه الآية.
وأجيب: بأن عدالة الرجل عبارة عن قيامه بأداء الواجبات واجتناب المقبحات وهذا من فعله، وقد أخبر سبحانه أنه جعلهم وسطًا فاقتضى ذلك أن كونهم وسطًا من فعل الله، وذلك يقتضي أن يكون غير عدالتهم التي ليست من فعل الله.
وأجيب أيضًا: بأن الوسط اسم لما يكون متوسطًا بين شيئين، فجعله حقيقة في العدل يقتضي الاشتراك، وهو خلاف الأصل.
سلمنا أن الوسط من كل شيء خياره فلمَ قلتم: بأن خبر الله تعالى عن "خيرية قوم"* يقتضي اجتنابهم لكل المحظورات، ولِمَ لا يقال: إنه يكفي فيه اجتنابهم للكبائر وأما الصغائر فلا، وإذا كان كذلك فيحتمل أن الذي أجمعوا عليه وإن كان خطأ لكنه من الصغائر فلا يقدح ذلك في خيريتهم
__________
* في "أ": عن خيرتهم.
__________
1 انظر صفحة "201-202".
2 جزء من الآية "143" من سورة البقرة.
(1/204)

ومما يؤيد هذا أنه سبحانه حكم بكونهم عدولًا ليكونوا شهداء على الناس، وفعل الصغائر لا يمنع الشهادة.
سلمنا أن المراد اجتنابهم الصغائر والكبائر لكنه سبحانه قد بين أن اتصافهم بذلك ليكونوا شهداء على الناس، ومعلوم أن هذه الشهادة إنما تكون في الآخرة "فيلزم"* فيجب وجوب تحقق عدالتهم هنالك؛ لأن عدالة الشهود إنما تعتبر حال الأداء، لا حال التحمل.
سلمنا وجوب كونهم عدولًا في الدنيا، لكن المخاطب بهذا الخطاب هم الذين كانوا موجودين عند نزول الآية وإذا كان كذلك فهذا يقتضي عدالة أولئك دون غيرهم.
وقد أجيب عن هذا الجواب: بأن الله سبحانه عالم بالباطن والظاهر، فلا يجوز أن يحكم بعدالة أحد إلا والمخبر عنه مطابق للخبر، فلما أطلق الله سبحانه القول بعدالتهم، وجب أن يكونوا عدولًا في كل شيء بخلاف شهود الحاكم حيث تجوز شهادتهم وإن جازت عليهم الصغيرة؛ لأنه لا سبيل للحاكم إلى معرفة الباطن، فلا جرم اكتفى بالظاهر.
وقوله: الغرض من هذه العدالة أداء هذه الشهادة في الآخرة وذلك يوجب عدالتهم في الآخرة لا في الدنيا.
يقال: لو كان المراد صيرورتهم عدولًا في الآخرة، لقال: سنجعلكم أمة وسطًا، ولأن جميع الأمم عدول في الآخرة، فلا يبقى في الآية تخصيص لأمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بهذه الفضيلة وكونه الخطاب لمن كان موجودًا عند نزول الآية ممنوع وإلا لزم اختصاص التكاليف الشرعية بمن كان موجودًا عند النزول، وهو باطل.
ولا يخفاك ما في هذه الأجوبة من الضعف، وعلى كل حال فليس في الآية دلالة على محل النزاع أصلًا فإن ثبوت كون أهل الإجماع بمجموعهم عدولًا لا يستلزم أن يكون قولهم حجة شرعية تعم بها البلوى، فإن ذلك أمر "متروك"** إلى الشارع لا إلى غيره، وغاية ما في الآية أن يكون قولهم مقبولًا إذا أخبرونا عن شيء من الأشياء، وأما كون اتفاقهم على أمر ديني يصيره دينًا ثابتًا عليهم، وعلى من بعدهم إلى يوم القيامة فليس في الآية ما يدل على هذا ولا هي مسوقة لهذا المعنى ولا تقتضيه بمطابقة ولا تضمن ولا التزام.
ومن جملة ما استدلوا به قوله سبحانه: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَر} 1، "وتقرير الاستدلال بالآية: أنه سبحانه وصفهم بالخيرية المفسرة
__________
* في "أ": فيجب.
** ما بين قوسين ساقط من "1".
__________
1 جزء من الآية "110" من سورة آل عمران.
(1/205)

على طريق الاستدلال بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"*.
وهذه الخيرية توجب "الحقية"** لما أجمعوا عليه وإلا كان ضلالًا، فماذا بعد الحق إلا الضلال.
وأيضًا لو أجمعوا على الخطأ لكانوا آمرين بالمنكر وناهين عن المعروف وهو خلاف المنصوص والتخصيص بالصحابة لا يناسب وروده في مقابلة أمم سائر الأنبياء.
وأجيب: بأن الآية مهجورة الظاهر؛ لأنها تقتضي اتصاف كل واحد منهم بهذا الوصف والمعلوم خلافه، ولو سلمنا ذلك لم نسلم أنهم يأمرون بكل معروف.
هكذا قيل في الجواب، ولا يخفاك أن الآية لا دلالة لها على محل النزاع ألبتة، فإن اتصافهم بكونهم يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر لا يستلزم أن يكون قولهم حجة شرعية تصير دينًا ثابتًا على كل الأمة بل المراد أنهم يأمرون، بما هو معروف في هذه الشريعة وينهون عما هو منكر فيها فالدليل على كون ذلك الشيء معروفًا أو منكرًا هو الكتاب أو السنة لا إجماعهم غاية ما في الباب إن إجماعهم يصير قرينة على أن في الكتاب والسنة ما يدل على ما أجمعوا عليه، وإما إنه دليل بنفسه فليس في هذه الآية ما يدل على ذلك.
ثم الظاهر: أن المراد من الأمة هذه الأمة بأسرها، لا أهل عصر من العصور، بدليل مقابلتهم بسائر أمم الأنبياء فلا يتم الاستدلال بها على محل النزاع، وهو إجماع المجتهدين في عصر من العصور.
ومن جملة ما استدلوا به من السنة، ما أخرجه الطبراني في "الكبير" من حديث ابن عمر عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال:
"لن تجتمع أمتي على الضلالة" 1.
وتقرير الاستدلال بهذا الحديث: أن عمومه ينفي وجود الضلالة، والخطأ ضلالة، فلا يجوز الإجماع عليه فيكون ما أجمعوا عليه حقا.
وأخرج أبو داود عن أبي مالك الأشعري عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: $"إن الله أجاركم من ثلاث خلال: أن لا يدعو عليكم نبيكم فتهلكوا، وأن لا يظهر أهل الباطل على أهل الحق، وأن لا تجتمعوا
__________
* ما بين قوسين ساقط من "أ".
** في "أ": الحقيقة.
__________
1 أخرجه الترمذي من حديث ابن عمر، كتاب الفتن، باب ما جاء في لزوم الجماعة "2167". وبنحوه أخرج الطبراني في الكبير "12/ 342" "13623". والحاكم، كتاب العلم "1/ 115". وروي أيضًا بنحوه عن ابن عباس عند الحاكم "1/ 116". والترمذي "2166" وقال: حسن غريب. وابن أبي عاصم في السنة "9".
(1/206)

على ضلالة"1.
وأخرجه الترمذي عن ابن عمر عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: "لا تجتمع أمتي على ضلالة، ويد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ إلى النار" . وأخرج ابن أبي عاصم عن أنس مرفوعًا نحوه بدون قوله: "ويد الله مع الجماعة" إلخ.
ويجاب عنه بمنع كون الخطأ المظنون ضلالة.
وأخرج البخاري ومسلم من حديث المغيرة أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون" 2.
وأخرج نحوه مسلم والترمذي وابن ماجة من حديث ثوبان.
وأخرج نحوه مسلم أيضًا من حديث عقبة بن عامر.
ويجاب عن ذلك بأن غاية ما فيه: أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخبر عن طائفة من أمته بأنهم يتمسكون بما هو الحق ويظهرون على غيرهم فأين هذا من محل النزاع.
ثم قد ورد تعيين هذا الأمر الذي يتمسكون به، ويظهرون على غيرهم بسببه، فأخرج مسلم من حديث عقبة مرفوعًا: "لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون عن أمر الله قاهرين لعدوهم، لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة، وهم على ذلك" 3. "ومن جملة ما استدلوا به حديث: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله" وقد قدمنا4 أنه غير صحيح"*.
وأخرجه بنحو هذا اللفظ أحمد، وأبو داود، من حديث عمران بن حصين5، وأخرجه مسلم من حديث جابر بن سمرة مرفوعًا لزهير6: "لا يزال هذا الدين قائمًا تقاتل عنه عصابة من
__________
* ما بين قوسين ساقط من "أ".
__________
1 أخرجه أبو داود، كتاب الفتن والملاحم، باب ذكر الفتن ودلائلها "4253" وأشارالسيوطي في الجامع الصغير لضعفه.
2 أخرجه البخاري في المناقب، باب "28" برقم "3640". مسلم، كتاب الإمارة، باب قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لا تزال طائفة.." "1921" وأخرجه الطبراني في الكبير "20/ 402 "959". والإمام أحمد "4/ 244".
3 أخرجه مسلم من حديث عقبة، كتاب الإمارة، باب قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لا تزال طائفة من أمتى..." "1925". والطبراني في الكبير 17/ 314 "870". وابن حبان في صحيحه "6836".
4 انظر صفحة: "179".
5 أخرجه أبو داود كتاب الجهاد، باب في دوام الجهاد "2484" وأحمد "3/ 345".
6 هو زهير بن حرب بن شداد، الحرشي، النسائي، الحافظ، الحجة، أحد أعلام الحديث أبو خثيمة، ولد سنة ستين ومائة هـ، حدث عن ابن عيينة وهشيم وجماعة، وحدث عنه الشيخان، أبو داود، وابن ماجه، وجماعة توفي سنة أربع وثلاثين ومائتين هـ، ا. هـ. سير أعلام النبلاء "11/ 489"، تهذيب التهذيب "3/ 342" شذرات الذهب "2/ 80".
(1/207)

المسلمين حتى تقوم الساعة"1.
ومن جملة ما استدلوا به حديث: "من فارق الجماعة شبرًا فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه" 2، أخرجه أحمد وأبو داود، والحاكم في "مستدركه" من حديث أبي ذر. وليس فيه إلا المنع من مفارقة الجماعة، فأين هذا من محل النزاع؟ وهو كون ما أجمعوا عليه حجة ثابتة شرعية "لا يجوز مخالفتها إلى آخر الدهر، وأي ملجئ إلى التمسك بالإجماع وجعله حجة شرعية"* وكتاب الله وسنة رسوله موجودان بين أظهرنا، وقد وصف الله سبحانه كتابه بقوله: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} 3، فلا يرجع في تبيين الأحكام إلا إليه وقوله سبحانه: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُول} 4 والرد إلى الله الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول الرد إلى سنته.
والحاصل أنك إذا تدبرت ما ذكرناه في هذه المقامات، وعرفت ذلك حق معرفته تبين لك ما هو الحق الذي لا شك فيه ولا شبهة.
ولو سلمنا جميع ما ذكره القائلون بحجية الإجماع، وإمكانه، وإمكان العلم به، فغاية ما يلزم من ذلك أن يكون ما أجمعوا عليه حقًّا، ولا يلزم من كون الشيء حقًّا وجوب اتباعه، كما قالوا إن كل مجتهد مصيب، ولا يجب على مجتهد آخر "بل ولا يجب على المقلد"** اتباعه في ذلك الاجتهاد بخصوصه.
وإذا تقرر لك هذا علمت ما هو الصواب، وسنذكر ما ذكره أهل العلم في مباحث الإجماع من غير تعرض لدفع ذلك اكتفاء بهذا الذي حررناه هنا.
__________
* ما بين قوسين ساقط من "أ".
** ما بين قوسين ساقط من "أ".
__________
1 أخرجه مسلم، من حديث جابر بن سمرة، كتاب الإمارة، باب قوله: "لا تزال طائفة من أمتي.." "1922". وأحمد في مسنده "5/ 98" من طريق أسباط وأيضًا في "5/ 103". وابن حبان في صحيحه "6837".
2 أخرجه الترمذي من حديث الحارث الأشعري، كتاب الأمثال، باب ما جاء في مثل الصلاة والصوم والصدقة "2863". وابن خزيمة في صحيحه "1895". وأبو يعلى في مسنده "1571". والحاكم في المستدرك "1/ 118" ومن حديث أبي ذر في "1/ 117". والطيالسي "1161". والطبراني من طريق أبان بن يزيد "3427". وأبو داود من حديث أبي ذر "4758"، وأحمد في مسنده "4/ 130".
3 جزء من الآية "89" من سورة النحل.
4 جزء من الآية "59" من سورة النساء.
(1/208)

الفصل الثالث: في ظنية الإجماع أو قطعيته
...
البحث الثالث: في ظنية الإجماع أو قطعيته
اختلف القائلون بحجية الإجماع هل هو حجة قطعية أو ظنية؟ فذهب جماعة منهم إلى أنه حجة قطعية، وبه قال الصيرفي وابن برهان، وجزم به من الحنفية الدبوسي وشمس الأئمة. وقال الأصفهاني: إن هذا القول هو المشهور، وأنه يقدم الإجماع على الأدلة كلها، ولا يعارضه دليل أصلا، ونسبه إلى الأكثرين، قال: بحيث يكفر مخالفه أو يضلل يبدع.
وقال جماعة، منهم الرازي، والآمدي: إنه لا يفيد إلا الظن.
وقال جماعة بالتفصيل بين ما اتفق عليه المعتبرون فيكون حجة قطعية، وبين ما اختلفوا فيه كالسكوتي، وما ندر مخالفه فيكون حجة ظنية. وقال البزدوي1 وجماعة من الحنفية: الإجماع مراتب، فإجماع الصحابة مثل الكتاب والخبر المتواتر، وإجماع من بعدهم بمنزلة المشهور من الأحاديث، والإجماع الذي سبق فيه الخلاف في العصر السابق بمنزلة خبر الواحد واختار بعضهم في الكل أنه ما يوجب العمل لا العلم فهذه مذاهب أربعة.
ويتفرع عليها الخلاف في كونه يثبت بأخبار الآحاد والظواهر أم لا، فذهب الجمهور إلى أنه لا يثبت بهما، قال القاضي في "التقريب": وهو الصحيح، وذهب جماعة إلى ثبوته بهما في العمل خاصة ولا ينسخ به قاطع كالحال في أخبار الآحاد "فإنها تقبل في العمليات لا في العلمانيات"* وقال: دل الدليل على قبولها في العمليات.
وأجاب الجمهور عن هذا بأن أخبار الآحاد قد دل الدليل على قبولها، ولم يثبت مثل ذلك في الإجماع، فإن ألحقناه بها كان إلحاقًا بطريق القياس "ولا يجري ذلك في الأصول لأنها قواعد الشريعة فلا تنعقد لمجرد القياس"** وصحح هذا القول عبد الجبار والغزال. قال الرازي في "المحصول": الإجماع المروي بطريق الآحاد حجة، خلافًا لأكثر الناس؛ لأن ظن وجوب العمل به حاصل فوجب العمل به دفعًا للضرر المظنون، ولأن الإجماع نوع من الحجة، فيجوز
__________
* ما بين قوسين ساقط من "أ".
** ما بين قوسين ساقط من "أ".
__________
1 هو علي بن محمد بن الحسين، البزدوي، أبو الحسن "فخر الدين"، فقيه أصولي، محدث، مفسر، ولد سنة أربعمائة هـ، وتوفي سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة هـ، من آثاره: "المبسوط" "شرح الجامع الكبير للشيباني" "كتاب في أصول الفقه" مشهور بأصول البزودي. ا.هـ, سير أعلام النبلاء "18/ 602"، الجواهر المضية "2/ 594"، الفوائد البهية "124"، معجم المؤلفين "7/ 192".
(1/209)

التمسك بمظنونه، كما يجوز بمعلومه، قياسًا على السنة ولأنا قد بينا أن أصل الإجماع فائدة ظنية، فكيف القول في تفاصيله. انتهى.
قال الآمدي: والمسألة دائرة على اشتراط كون دليل الأصل مقطوعًا به، وعلى عدم اشتراطه، فمن شرط القطع منع أن يكون خبر الواحد مفيدًا في نقل الإجماع، ومن لم يشترط لم يمنع، وكلام الجويني يشعر بأن الخلاف ليس مبنيًا على هذا الأصل، بل هو جار مع القول بأن أصل الإجماع ظني.
وإذا قلنا بالاكتفاء بالآحاد في نقله كالسنة، فهل ينزل الظن المتلقى من أمارات، وحالات منزلة الظن الحاصل من نقل العدول؟ قال الأبياري: فيه خلاف.
(1/210)

الفصل الرابع: فيماينعقد به الإجماع
...
البحث الرابع: فيما ينعقد به الإجماع
اختلفوا فيما ينعقد به الإجماع، فقال جماعة: لا بد له من مستند؛ لأن أهل الإجماع ليس لهم الاستقلال بإثبات الأحكام، فوجب أن يكون عن مستند، ولأنه لو انعقد عن غير مستند لاقتضى إثبات "شرع"*بعد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو باطل.
وحكى عبد الجبار عن قوم: أنه يجوز أن يكون عن غير مستند، وذلك بأن يوفقهم الله لاختيار الصواب من دون مستند، وهو ضعيف؛ لأن القول في دين الله لا يجوز بغير دليل.
وذكر الآمدي أن الخلاف في الجواز لا في الوقوع، ورد عليه بأن ظاهر الخلاف في الوقوع، قال الصيرفي: ويستحيل أن يقع الإجماع بالتواطؤ ولهذا كانت الصحابة لا يرضى بعضهم من بعض بذلك، بل يتباحثون حتى أحوج بعضهم القول في الخلاف إلى المباهلة1، فثبت أن الإجماع لا يقع منهم إلا عن دليل.
وجعل الماوردي والروياني أصل الخلاف، هل الإلهام دليل أم لا؟ وقد اتفق القائلون بأنه لا بد له من مستند، إذا كان عن دلالة، واختلفوا فيما إذا كان عن أمارة فقيل بالجواز مطلقا، سواء كانت الأمارة جلية أو خفيفة.
__________
* في "أ" نوع.
__________
1 هي الملاعنة، وأصل الابتهال: الاجتهاد في الدعاء باللعن وغيره.
يقال بهله الله: أي لعنه، وفي النتزيل: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} . ا. هـ. القرطبي "4/ 104"
(1/210)

قال الزركشي في "البحر": ونص عليه الشافعي فجوز الإجماع عن قياس، وهو قول الجمهور.
قال الروياني: وبه قال عامة أصحابنا، وهو المذهب. قال ابن القطان: لا خلاف بين أصحابنا في جواز وقوع الإجماع عنه، في قياس المعنى على المعنى وأما قياس الشبه فاختلفوا فيه على وجهين، وإذا وقع عن الأمارة وهي: المفيد للظن وجب أن يكون الظن صوابًا للدليل الدال على العصمة.
والثاني: المنع مطلقًا، وبه قال الظاهرية ومحمد بن جرير الطبري، فالظاهرية منعوه لأجل إنكارهم القياس، وأما ابن جرير فقال: القياس حجة ولكن الإجماع إذا صدر عنه لم يكن مقطوعًا بصحته، واحتج ابن القطان على ابن جرير بأنه قد وافق على وقوعه عن خبر الواحد، وهم مختلفون فيه فكذلك القياس.
ويجاب عنه: بأن خبر الواحد قد أجمعت عليه الصحابة بخلاف القياس.
والمذهب الثالث: التفصيل بين كون الأمارة جلية فيجوز انعقاد الإجماع عنها أو خفية فلا يجوز حكاه ابن الصباغ عن بعض الشافعية.
والمذهب الرابع: أنه لا يجوز الإجماع إلا عن أمارة ولا يجوز عن دلالة للاستغناء بها عنه حكاه السمرقندي1 في "الميزان" عن مشايخهم، وهو قادح فيما نقله البعض من الإجماع على جواز انعقاد الإجماع عن دلالة.
ثم اختلف القائلون بجوز انعقاد الإجماع عن غير دليل، هل يكون حجة؟
فذهب الجمهور: إلى أنه حجة.
وحكى ابن فورك، وعبد الوهاب وسليم الرازي، عن قوم منهم: أنه لا يكون حجة.
ثم اخنلفوا: هل يجب على المجتهد أن يبحث عن مستند الإجماع أم لا؟
فقال الأستاذ أبو إسحاق: لا يجب على المجتهد طلب الدليل الذي وقع الإجماع به، فإن ظهر له ذلك أو نقل إليه كان أحد أدلة المسألة قال أبو الحسن السهيلي2: إذا أجمعوا على حكم ولم يعلم أنهم أجمعوا عليه من دلالة آية أو قياس أو غيره، فإنه يجب المصير إليه لأنهم لا يجمعون إلا عن دلالة ولا يجب معرفتها.
__________
1 هو محمد بن أحمد، أبو منصور، الحنفي، الأصولي، شيخ كبير، فاضل، جليل القدر، صاحب تحفة الفقهاء، توفي سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة هـ، واختلف في كنيته فذكره في الفوائد البهية بأبي بكر، وفي تاج التراجم، والجواهر المضية أبو منصور. ا. هـ. تاج التراجم "252"، الفوائد البهية "158"، الجواهر المضية "3/ 18".
وكتابه الميزان: اسمه ميزان الأصول في نتائج العقول، وهو في أصول الفقه. ا. هـ. كشف الظنون "2/ 1916".
2 هو علي بن أحمد، أبو الحسن الإسفراييني، فقيه، متكلم، جدلي، محدث، خطب في جامع دمشق سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة هجرية، من آثاره: "أدب الجدل"، وكتاب في الرد على المعتزلة وبيان عجزهم "معجم المؤلفين: 7/ 17". ولم تعرف سنة وفاته.
(1/211)

الفصل الخامس: في اعتبار المجتهد المبتدع في الإجماع
...
البحث الخامس: في اعتبار المجتهد المبتدع في الإجماع
هل يعتبر في الإجماع المجتهد المبتدع، إذا كانت بدعته تقتضي تكفيره؟
فقيل: لا يعتبر في الإجماع. قال الزركشي: بلا خلاف لعدم دخوله في مسمى الأمة المشهود لهم بالعصمة وإن لم يعلم هو كفر نفسه، قال الصفي الهندي: لو ثبت لكان لا يمكن الاستدلال بإجماعنا على كفره، بسبب ذلك الاعتقاد لأنه إنما ينعقد إجماعنا وحده على كفره "لو ثبت كفره"* وإثبات كفره بإجماعنا وحده دور. وأما إذا وافقنا هو على أن ما ذهب إليه كفر فحينئذ يثبت كفره؛ لأن قوله معتبر في الإجماع "على أنه كافر، لا لإجماعنا وحده.
وأما إذا اعتقد ما لا يقتضي التكفير، بل التضليل والتبديع فاختلفوا فيه على أقوال:
الأول:
اعتبار قوله في الإجماع"** لكونه من أهل الحل والعقد، قال الهندي: وهو الصحيح.
الثاني:
لا يعتبر، قال الأستاذ أبو منصور: قال أهل السنة: لا يعتبر في الإجماع وفاق القدرية1، والخوارج2، والرافضة
__________
* ما بين قوسين ساقط من "أ".
** ما بين قوسين ساقط من "أ".
__________
1 وهم المعتزلة يسمون بالقدرية، والعدلية، وأصحاب العدل والتوحيد، وهم قد جعلوا لفظ القدر مشتركًا وقالوا: لفظ القدرية يطلق على من يقول بالقدر خيره وشره من الله تعالى، احترازًا من وصمة اللقب، إذ كان الذم به متفقًا عليه لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "القدرية مجوس هذه الأمة" ا. هـ. الملل والنحل "1/ 43".
2 هو اسم لكل من خرج على الإمام الحق الذي اتفقت الجماعة عليه، سواء كان الخروج في أيام الصحابة على الأئمة الراشدين أو كان بعدهم، وشارع هذا الاسم على الذين خرجوا على سيدنا علي رضي الله عنه، وأولهم: الأشعت بن قيس الكندي، وهو أشد الناس خروجًا ومروقًا من الدين. ا. هـ. الملل والنحل "1/ 114".
(1/212)

وهكذا رواه أشهب1 عن مالك، ورواه العباس بن الوليد2 عن الأوزاعي، ورواه أبو سليمان الجوزجاني3 عن محمد بن الحسن4.
وحكاه أبو ثور5 عن أئمة الحديث.
قال أبو بكر الصيرفي: ولا يخرج عن الإجماع من كان من أهل العلم، وإن اختلفت بهم الأهواء كمن قال بالقدر، ومن رأى الإرجاء، وغير ذلك من اختلاف آراء أهل الكوفة، والبصرة6، إذا كان من أهل الفقه.
فإذا قيل: قالت الخطابية7، والرافضة: كذا، لم يلتفت إلى هؤلاء في الفقه؛ أنهم ليسوا من أهله.
__________
1 هو ابن عبد العزيز القيسي، أبو عمرو، الفقيه المصري، قيل اسمه مسكين، وأشهب لقبه كان صاحب الإمام مالك، ولد سنة خمس وأربعين ومائة هـ، وتوفي سنة أربع ومائتين. ا. هـ. سير أعلام النبلاء "9/ 500" شذرات الذهب "2/ 12"، تهذيب التهذيب "1/ 359.
2 هو الإمام الحجة، المقرئ، الحافظ، أبو الفضل، العذري، البيروتي، ولد سنة تسع وستين ومائة هـ، حدث عنه أبو داود، والنسائي، وجماعة، وسمع من أبيه وتفقه به، وذكر أحاديث عن أبيه عن الأوزعي، توفي سنة سبعين ومائتين هـ، ا. هـ. سير أعلام النبلاء "12/ 471"، شذرات الذهب "2/ 160"، تهذيب التهذيب "5/ 131".
3 هو موسى بن سليمان، أبو سليمان، الإمام العلامة، الحنفي البغدادي، صاحب أبي يوسف ومحمد، من آثاره: "السير الصغير" "الصلاة" "الرهن" "نوادر الفتاوى"، عرض المأمون القضاء عليه فاعتذر، توفي سنة مائتين هـ، ا. هـ. سير أعلام النبلاء "10/ 194" معجم المؤلفين "13/ 38"، هدية العارفين "2/ 477"، الفوائد البهية "216".
4 هو ابن فرقد الشيباني بالولاء، أبو عبد الله، الحنفي، العلامة، فقيه العراق صاحب أبي حنيفة، ولي القضاء للرشد بعد أبي يوسف، أصله من قرية حرسته في غوطة، من آثاره: "المبسوط" "الزيادات" "الآثار" وغيرها، توفي سنة تسع وثمانين ومائة هـ، ا. هـ. سير أعلام النبلاء "9/ 134"، معجم المؤلفين "9/ 207"، شذرات الذهب "1/ 322".
5 هو إبراهيم بن خالد البغدادي، يكنى بأبي ثور، وأبي عبد الله الفقيه، صاحب الإمام الشافعي، قال ابن حبان: كان أحد أئمة الدنيا فقهًا، وعلمًا، وورعًا، وفضلًا، صنف الكتب، وفرع السنن، وذب عنها، توفي ببغداد سنة أربعين ومائتين هـ، ا. هـ. تذكرة الحفاظ "2/ 512"، سير أعلام النبلاء "12/ 72"، شذرات الذهب "2/ 93".
6 أهل الكوفة: هم أصحاب أبي حنيفة، وأهل البصرة: هم أهل الاعتزال.
7 هم أصحاب أبي الخطاب، محمد بن أبي زينب الأسدي، الذي عزا نفسه إلى جعفر بن محمد الصادق، فلما وقف الصادق على غلوه الباطل في حقه تبرأ منه، ولعنه، وأمر أصحابه بالبراءة منه، فلما اعتزل عنه ادعى الإمامة لنفسه، زعم أن الأئمة أنبياء ثم آلهة، وقال بإلهية جعفر بن محمد، وإلهيه آبائه رضي الله عنهم. ا. هـ. الملل والنحل "1/ 179".
(1/213)

قال ابن القطان: الإجماع عندنا إجماع أهل العلم. فأما من كان من أهل الأهواء فلا مدخل له فيه.
قال: قال أصحابنا في الخوارج: لا مدخل لهم في الإجماع، والاختلاف؛ لأنهم ليس لهم أصل ينقلون عنه؛ لأنهم يكفرون سلفنا الذين أخذنا عنهم أصل الدين.
وممن اختار أنه لا يعتد به من الحنفية أبو بكر الرازي، ومن الحنابلة القاضي أبو يعلى واستقرأه من "كلام"* أحمد لقوله: لا يشهد عندي رجل ليس هو عندي بعدل، وكيف أجوز حكمه. قال القاضي يعني: الجهمي1.
القول الثالث:
أنه لا ينعقد عليه الإجماع، وينعقد على غيره، يعني أنه يجوز له مخالفة من عداه إلى ما أدى إليه اجتهاده، ولا يجوز لأحد أن يقلده، كذا حكاه الآمدي وتابعه المتأخرون.
القول الرابع:
التفصيل بين من كان من المجتهدين المبتدعين داعية، فلا يعتبر في الإجماع، وبين من لم يكن داعية فيعتبر، حكاه ابن حزم في كتاب "الأحكام" ونقله عن جماهير سلفهم من المحدثين، قال: وهو قول فاسد؛ لأنا نراعي العقيدة.
قال القاضي أبو بكر، والأستاذ أبو إسحاق: أنه لا يعتد بخلاف من أنكر القياس، ونسبه الأستاذ إلى الجمهور، وتابعهم إمام الحرمين، والغزالي قالوا: لأن من أنكره لا يعرف طرق الاجتهاد، وإنما هو متمسك بالظواهر فهو كالعامي، الذي لا معرفة له.
ولا يخفاك أن هذا التعليل يفيد خروج من عرف القياس، وأنكر العمل به كما كان من كثير من الأئمة، فإنهم أنكروه عن علم به، لا عن جهل له.
قال النووي في باب السواك من "شرح مسلم": إن مخالفة داود لا تقدح في انعقاد الإجماع، على المختار الذي عليه الأكثرون والمحققون.
وقال صاحب "المفهم"2: جل الفقهاء والأصوليين أنه لا يعتد بخلافهم، بل هم من جملة
__________
* في "أ": قول.
__________
1 هو جهم بن صفوان، أبو محرز الراسبي، السمرقندي، الكاتب المتكلم، رأس الضلالة، ورأس الجهمية، كان صاحب ذكاء، وجدل، كان ينكر الصفات، وينزه الباري عنها بزعمه، ويقول بخلق القرآن، ومات سنة ثمانٍ وعشرين ومائة هـ. ا.هـ، سير أعلام البنلاء "6/ 26" الكامل في التاريخ "5/ 394" الأعلام "2/ 141".
2 واسمه: "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم" لأبي العباس، أحمد بن عمر بن إبراهيم القرطبي، المتوفى سنة ست وخمسين وستمائة هـ، وهو شرح على مختصر مسلم له، ذكر فيه: أنه لما لخصه ورتبه، وبوبه، شرح غريبه، ونبه على نكت من إعرابه، وعلى وجوه الاستدلال بأحاديثه. ا. هـ. كشف الظنون "1/ 557".
(1/214)

العوام، وأن من اعتد بهم فإنما ذلك؛ لأن مذهبه أنه يعتبر خلاف العوام في انعقاد الإجماع والحق خلافه.
وقال القاضي عبد الوهاب في "الملخص": يعتبر كما يعتبر خلاف من ينفي المراسيل، ويمنع العموم، ومن حمل الأمر على الوجوب؛ لأن مدار الفقه على هذه الطرق.
وقال الجويني: المحققون لا يقيمون لخلاف الظاهرية وزنًا؛ لأن معظم الشريعة صادرة عن الاجتهاد، ولا تفي النصوص بعضر معشارها.
ويجاب عنه: بأن من عرف نصوص الشريعة حق معرفتها وتدبر آيات الكتاب العزيز، وتوسع في الاطلاع على السنة المطهرة، علم بأن نصوص الشريعة "تفي بجميع ما تدعو الحاجة إليها في جميع الحوادث، وأهل الظاهر فيهم من أكابر الأئمة وحفاظ الشريعة المتقيدين بنصوص الشريعة"*
جمع جم، ولا عيب لهم إلا ترك العمل بالآراء الفاسدة التي لم يدل عليها كتاب، ولا سنة ولا قياس مقبول.
وتلك شكاة ظاهر عنك عارها1
نعم قد جمدوا في مسائل كان ينبغي لهم ترك الجمود عليها، ولكنها بالنسبة إلى ما وقع في مذهب غيرهم، من العمل بما لا دليل عليه ألبتة قليلة جدًّا.
__________
* ما بين قوسين ساقط من "أ".
__________
1 هو عجز بيت وصدره: وعيرها الواشون أني أحبها وهو لأبي ذؤيب الهذلي انظر الهذلين "1/ 21".
(1/215)

الفصل السادس: اعتبار التابعي المجتهد في الإجماع
...
البحث السادس: اعتبار التابعي المجتهد في الإجماع
إذا أدرك التابعي عصر الصحابة وهو من أهل الاجتهاد، لم ينعقد إجماعهم إلا به،كما حكاه جماعة منهم: القاضي أبو الطيب الطبري، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي، وابن الصباغ، وابن السمعاني وأبو الحسن السهيلي.
قال القاضي عبد الوهاب: إنه الصحيح، ونقله السرخسي -من الحنفية- عن أكثر أصحابهم. قال: ولهذا قال أبو حنيفة: لا يثبت إجماع الصحابة في الإشعار1؛ لأن إبراهيم
__________
1 هو أن يطعن في أسفل سنام الناقة ويجرحها من الجانب الأيمن أو الأيسر ا. هـ. الهداية "1/ 190".
(1/215)

النخعي1 كان يكرهه، وهو ممن أدرك عصر الصحابة فلا يثبت إجماعهم بدون قوله.
والوجه في هذا القول: أن الصحابة عند إدراك بعض مجتهدي التابعين "لهم"* هم بعض الأمة لا كلها، وقد سئل ابن عمر عن فريضة. فقال اسألوا ابن جبير فإنه أعلم بها، وكان أنس يُسأل فيقول: سلوا مولانا الحسن فإنه سمع وسمعنا وحفظ ونسينا.
وسئل ابن عباس عن "ذبح"** الولد فأشار إلى مسروق. فلما بلغه جوابه تابعه عليه.
وقال جماعة: إنه لا يعتبر المجتهد التابعي، الذي أدرك عصر الصحابة في إجماعهم، وهو مروي عن إسماعيل بن علية، ونفاه القياس وحكاه الباجي عن ابن خويز منداد واختاره ابن برهان في "الوجيز"2.
وقيل: إن بلغ التابعي رتبة الاجتهاد في عصر الصحابة، ثم وقعت حادثة فأجمعوا عليها، وخالفهم لم ينعقد إجماعهم، وإن أجمعوا قبل بلوغه رتبة الاجتهاد، فمن اعتبر انقراض العصر اعتد بخلافه ومن لم يعتبره لم يعتد بخلافه.
وقال القفال: إذا عاصرهم، وهو غير مجتهد، ثم اجتهد ففيه وجهان: يعتبر "أو"*** لا يعتبر.
قال بعضهم: إنه إذا تقدم "إجماع"**** الصحابة على اجتهاد التابعي، فهو محجوج بإجماعهم قطعًا.
قال الآمدي: القائلون بأنه لا ينعقد إجماعهم "دونه"***** اختلفوا: فمن لم يشترط انقراض العصر، قال: إن كان من أهل الاجتهاد قبل إجماع الصحابة لم ينعقد إجماعهم "مع مخالفته، وإن
__________
* في "أ": فيهم.
** في "أ": دلج وهو تحريف.
*** في "أ": ولا.
**** ما بين قوسين ساقط من "أ".
***** في "أ": دونهم.
__________
1 هو الإمام، الحافظ، فقيه العراق، أبو عمران، إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود، من أكابر التابعين صلاحًا، وصدقًا، ورواية، وحفظًا للحديث، توفي سنة ست وتسعين هـ، ا. هـ. سير أعلام النبلاء "4/ 520" تهذيب التهذيب "1/ 177"، تذكرة الحفاظ "1/ 73".
2 واسمه: "الوجيز في الأصول" لأبي الفتح أحمد بن على المعروف: بابن برهان. الذي تقدمت ترجمته في الصفحة "98". ا. هـ. كشف الظنون "2/ 2001".
(1/216)

بلغ رتبة الاجتهاد بعد انعقاد إجماعهم"* "لم"** يعتد بخلافه. قال: وهذا مذهب الشافعي، وأكثر المتكلمين وأصحاب أبي حنيفة، وهي رواية عن أحمد، ومن اشترط انقراض العصر قال: لا ينعقد إجماع الصحابة به مع مخالفته "سواء كان مجتهدًا حال إجماعهم أو صار مجتهدًا بعد ذلك في عصرهم"*** وإن بلغ الاجتهاد حال انعقاد إجماعهم أو بعد ذلك في عصرهم.
قال: وذهب قوم إلى أنه لا عبرة بمخالفته أصلًا، وهو مذهب بعض المتكلمين وأحمد بن حنبل في الرواية الأخرى.
__________
* ما بين قوسين ساقط من "أ".
** في "أ": وإلا لم يعتد.
*** ما بين قوسين ساقط من "أ".
(1/217)

الفصل السابع: حكم إجماع الصحابة
...
البحث السابع: حكم إجماع الصحابة
إجماع الصحابة حجة بلا خلاف، ونقل القاضي عبد الوهاب عن قوم من المبتدعة أن إجماعهم ليس بحجة.
وقد ذهب إلى اختصاص حجية الإجماع بإجماع الصحابة داود الظاهري، وهو ظاهر كلام ابن حبان في صحيحه، وهذا هو المشهور عن الإمام أحمد بن حنبل فإنه قال في رواية أبي داود عنه: الإجماع أن يتبع ما جاء عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعن أصحابه، وهو في التابعين مخير.
وقال أبو حنيفة: إذا أجمعت الصحابة على شيء سلمنا، وإذا أجمع التابعون زاحمناهم.
قال أبو الحسن السهيلي في "أدب الجدل"1: النقل عن داود بما إذا أجمعوا على نص كتاب أو سنة، فأما إذا أجمعوا على حكم من جهة القياس فاختلفوا فيه.
وقال ابن وهب2 ذهب: داود وأصحابنا إلى أن الإجماع إنما هو إجماع الصحابة فقط وهو قول لا يجوز خلافه؛ لأن الإجماع إنما يكون عن توقيف والصحابة هم الذين شهدوا التوقيف.
__________
1 ذكر في ترجمة أبي الحسن السهيلي السابقة، ص212.
2 لعله عبد الله بن وهب، الحافظ الكبير، أبو محمد الدينوري، روى عن أبي سعيد الأشج وطبقته، طوف الأقاليم، قال النيسابوري، كان أبو زرعة يعجز عن مذاكرته توفي سنة ثمانٍ وثلاثمائة هـ، ا. هـ. سير أعلام البنلاء "14/ 400"، شذرات الذهب "2/ 252"، تذكرة الحفاظ "2/ 754".
(1/217)

فإن قيل: فما تقولون في إجماع من بعدهم؟ قلنا: هذا لا يجوز لأمرين:
أحدهما: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنبأ عن ذلك فقال: "لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين" 1.
والثاني: أن سعة أقطار الأرض وكثرة العدد لا تمكن من ضبط أقوالهم، ومن ادعى هذا لا يخفى على أحد كذبه.
__________
1 تقدم تخريجه في الصفحة "207".
(1/218)

الفصل الثامن: حكم إجماع أهل المدينة
...
البحث الثامن: حكم إجماع أهل المدينة
إجماع أهل المدينة على انفرادهم ليس بحجة عند الجمهور؛ لأنهم بعض الأمة.
وقال مالك: إذا أجمعوا لم يعتد بخلاف غيرهم.
قال الشافعي في كتاب "اختلاف الحديث"1: قال بعض أصحابنا: إنه حجة، وما سمعت أحد ذكر قوله إلا عابه وأن ذلك عندي معيب. وقال الجرجاني: إنما أراد مالك الفقهاء السبعة2 وحدهم، والمشهور عنه الأول.
ويشكل على ما روي عن مالك من حجية إجماع أهل المدينة "أنه نقل في الموطأ3 في باب: العيب في الرقيق إجماع أهل المدينة"*على أن البيع بشرط البراءة لا يجوز، ولا يبرئ من
__________
* من بين قوسين ساقط من "أ".
__________
1 وهو للإمام محمد بن إدريس، الشافعي، ذكره ابن الجمع المؤسس. ا. هـ. كشف الظنون "1/ 32".
2 وهم: أ- سعيد بن المسيب: المولود قبل موت عمر بأربع سنين المتوفى سنة أربع وتسعين هـ.
ب- عروة بن الزبير: ولد سنة تسع وعشرين هـ، وتوفي سنة أربع وتسعين هـ.
ج- أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث: الملقب براهب قريش لعبادته توفي سنة أربع وتسعين هـ.
د- القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي: توفي سنة سبع ومائة هـ.
هـ- عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: توفي سنة ثمانٍ وتسعين هـ.
و- سليمان بن يسار: توفي سنة سبع ومائة هـ.
ز- خارجة بن زيد بن ثابت: توفي سنة "مائة هـ".
وسموا بالفقهاء السبعة: لأنهم كانوا في المدينة في عصر واحد، ينشر عنهم العلم، والفتيا، وكان في عصرهم جماعة من الفقهاء التابعين، فلم يكن لهم مثل ما لهم. ا. هـ. شذرات الذهب "1/ 104".
3 وهو في الحديث للإمام مالك بن أنس، وهو كتاب قديم، مبارك، قصد فيه: جمع الصحيح لكن إنما جمع الصحيح عنده، لا على اصطلاح أهل الحديث، لأنه: يرى المراسيل والبلاغات صحيحة وللكتاب شروح كثيرة منها: شرح للسيوطي سماه: "كشف المغطا في شرح الموطا". ا. هـ. كشف الظنون "2/ 1907".
(1/218)

العيب أصلًا علمه أو جهله، ثم خالفهم فلو كان يرى أن إجماعهم حجة لم تسع مخالفته.
وقال الباجي: إنما أراد ذلك بحجية إجماع أهل المدينة، فيما كان طريقه النقل المستفيض، كالصاع والمد والأذان والإقامة وعدم وجوب الزكاة في الخضراوات مما تقتضي العادة بأن يكون في زمن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإنه لو تغير عما كان عليه لعلم، فأما مسائل الاجتهاد فهم وغيرهم سواء، وحكاه القاضي في التقريب عن شيخه الأبهري، وقيل: يرجح نقلهم عن نقل غيرهم، وقد أشار الشافعي إلى هذا في القديم ورجح رواية "أهل المدينة على غيرهم"*، وحكى يونس بن عبد الأعلى1 قال: قال الشافعي: إذا وجدت متقدمي أهل المدينة على شيء فلا يدخل في قلبك شك أنه الحق وكلما جاءك شيء غير ذلك فلا تلتفت إليه ولا تعبأ به.
وقال القاضي عبد الوهاب: إجماع أهل المدينة على ضربين نقلي واستدلالي.
فالأول على ثلاثة أضرب، منه نقل شرع مبتدأ من جهة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "من"** قول أو فعل أو إقرار فالأول: كنقلهم الصاع والمد والأذان والإقامة والأوقات والأجناس ونحوه.
والثاني: نقلهم المتصل كعهدة الرقيق وغير ذلك كتركهم أخذ الزكاة من الخضراوات مع أنها كانت تزرع بالمدينة وكان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والخلفاء بعده لا "يأخذونها منها"*** قال: وهذا النوع من إجماعهم حجة يلزم عندنا المصير إليه وترك الأخبار والمقاييس به لا اختلاف بين أصحابنا فيه قال:
والثاني: وهو إجماعهم من طريق الاستدلال فاختلف أصحابنا فيه على ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه ليس بإجماع ولا بمرجح، وهو قول أبي بكر، وأبي يعقوب الرازي2، والقاضي أبي بكر، وابن فورك، والطيالسي3، وأبي الفرج والأبهري وأنكر كونه مذهبًا لمالك.
__________
* ما بين قوسين ساقط من "أ".
** في "أ": إما.
*** في "أ": يأخذون منها.
__________
1 هو ابن ميسرة بن حفص بن حيان، الإمام، شيخ الإسلام، المصري ولد سنة سبعين ومائة هـ، حدث عن ابن عيينة، وابن وهب، توفي سنة أربع وستين ومائتين هـ، ا. هـ. سير أعلام النيلاء "12/ 348"، شذرات الذهب "2/ 149"، تهذيب التهذيب "11/ 440".
2 لم أجد بعد البحث المطول في كتب التراجم التي بين أيدينا أحدًا يعرف بأبي يعقوب الرازي سوى يوسف بن الحسين، الإمام العارف، أبي يعقوب، الصوفي، المكثر من الترحال، الذي أخذ عن أحمد بن حنبل وذي النون المصري المتوفى سنة أربع وثلاثمائة هـ، ا. هـ. سير أعلام النبلاء "14/ 248"، شذرات الذهب "2/ 245"، والله أعلم.
3 سليمان بن داود بن الجارود، الحافظ الكبير، صاحب المسند، أبو داود الفارسي البصري، كان يقول: كتبت عن ألف شيخ، وكان يسرد من حفظه ثلاثين ألف حديث توفي سنة ثلاث ومائيتين هـ، ا. هـ. سير أعلام النبلاء "9/ 338"، شذرات الذهب "2/ 12"، تهذيب التهذيب "4/ 176".
(1/219)

ثانيها: أنه مرجح، وبه قال بعض أصحاب الشافعي.
ثالثها: أنه حجة "وإن لم"* ولم يحرم خلافه، وإليه ذهب قاضي القضاة أبو الحسين بن عمر1 قال أبي العباس القرطبي2: أما الضرب الأول فينبغي أن لا يختلف فيه لأنه من باب النقل المتواتر، ولا فرق بين القول والفعل والإقرار كل ذلك نقل محصل للعلم القطعي فإنهم عدد كثير وجم غفير تحيل العادة عليهم التواطؤ على خلاف الصدق، ولا شك أن ما كان هذا سبيله أولى من أخبار الآحاد والأقيسة والظواهر.
ثم قال: والنوع الاستدلالي أن عارضه خبر فالخبر أولى عند جمهور أصحابنا. وقد صار جماعة "من أصحابنا"** إلى أنه أولى من الخبر، بناء منهم على أنه إجماع وليس بصحيح لأن المشهود له بالعصمة إجماع كل الأمة لا بعضها.
وإجماع أهل الحرمين مكة والمدينة وأهل المصرين البصرة والكوفة ليس بحجة لأنهم بعض الأمة، وقد زعم بعض أهل الأصول أن إجماع أهل الحرمين و"أهل"*** المصرين حجة ولا وجه لذلك، وقد قدمنا قول من قال بحجية إجماع أهل المدينة، فمن قال بذلك فهو قائل بحجية إجماع أهل مكة والمدينة والمصرين بالأولى، قال القاضي: وإنما خصوا هذه المواضع يعني: القائلين بحجية إجماع أهلها لاعتقادهم تخصيص الإجماع بالصحابة، وكانت هذه البلاد مواطن الصحابة ما خرج منها إلا الشذوذ، قال الزركشي: وهذا صريح بأن القائلين بذلك لم يعمموا في كل عصر، بل في عصر الصحابة فقط. قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي قيل: إن المخالف أراد زمن الصحابة والتابعين، فإن كان هذا مراده فمسلم لو اجتمع العلماء في هذه البقاع وغير مسلم أنهم اجتمعوا فيها. وذهب الجمهور "إلى أن إجماع الأئمة الأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد ليس بحجة لأنهم بعض الأئمة"**** وذهب "الجمهور أيضًا إلى أن إجماع
__________
* في "أ": ولم.
** ما بين قوسين ساقط من "أ".
*** ما بين قوسين ساقط من "أ".
**** ما بين قوسين ساقط من "أ".
__________
1 لم أجد ترجمته فيما بين يدي من المصادر.
2 هو أحمد بن عمر بن إبراهيم، الأنصاري، القرطبي، فقيه مالكي، من رجال الحديث يعرف بابن المزين ولد سنة ثمانٍ وسبعين وخمسمائة هـ، وتوفي سنة ست وخمسين هـ، من آثاره: "المفهم" وقد تقدم. ا. هـ. شذرات الذهب "5/ 273".
(1/220)

الخلفاء الأربعة ليس بحجة لأنهم بعض الأمة"*.
وذهب بعض أهل العلم إلى أنه حجة لما ورد ما يفيد ذلك كقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين" 1، وقوله: "اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر" 2 وهما حديثان صحيحان، ونحو ذلك.
وأجيب: بأن في الحديثين دليلًا على أنهم أهل للاقتداء بهم، لا على أن قولهم حجة على غيرهم، فإن المجتهد "متعبد"** بالبحث عن الدليل حتى يظهر له ما يظنه حقًّا، ولو كان مثل ذلك يفيد حجية قول الخلفاء أو بعضهم لكان حديث: "رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد" 3 يفيد حجية قول ابن مسعود، وحديث: "إن أبا عبيدة بن الجراح أمين هذه الأمة" 4 يفيد حجية قوله وهما، حديثان صحيحان.
وهكذا حديث: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" 5 يفيد حجية قول كل واحد منهم وفيه مقال معروف؛ لأن في رجاله عبد الرحيم "بن زيد6"*** العمي عن أبيه وهما ضعيفان
__________
* ما بين قوسين متكرر من "أ".
** في "أ": مستعبد.
*** ما ين قوسين ساقط من "أ".
__________
1 تقدم تخريجه في الصفحة "95".
2 أخرجه الترمذي من حديث حذيفة، كتاب المناقب، باب مناقب أبي بكر وعمر "3663". وأحمد في المسند "5/ 399". وابن أبي شيبة "12/ 11". ابن سعد عن وكيع "2/ 324". وابن حبان في صحيحه "2/ 690". وذكره الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" "2/ 85".
3 أخرجه الحاكم في المستدرك من حديث عبد الله بن مسعود، كتاب معرفة الصحابة "3/ 317". وقال: هذا إسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي على ذلك. المناوي في فيض الكبير "4458". وصححه السيوطي. البزار "مختصر زوائد المسند" "2016". والطبراني في المعجم الكبير "8458".
4 أخرجه ابن ماجه من حديث أنس بلفظ: "وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح" المقدمة، باب فضائل أصحاب رسول اله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "154". والنيهقي، كتاب الفرائض، باب ترجيح قول زيد بن ثابت على غيره من الصحابة في الفرائض "6/ 210". والحاكم في المستدرك، كتاب معرفة الصحابة "3/ 422"، وقال: هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وأحمد في المسند "3/ 184".
وابن حبان في صحيحه "7131".
5 تقدم في الصفحة "186".
6 هو ابن الحواري العمي، البصري، أحد المتروكين، وهو من طبقة الرازي، يروي عن مالك بن دينار، وعن والده، قال عنه أبو زرعة: مضعف الحديث، والنسائي قال عنه: ليس بثقة، ولا مأمون، ولا يكتب حديثه. ا. هـ. سير أعلام النبلاء "8/ 358" تهذيب التهذيب "6/ 305" وسمي أبوه بالعمي: لأنه كلما سئل عن شيء قال: حتى أسال عمي.
(1/221)

جدًّا، بل قال ابن معين: إن عبد الرحيم كذاب، وقال البخاري: متروك وكذا قال أبو حاتم وله طريق أخرى فيها حمزة النصيبي1 وهو ضعيف جدًّا. قال البخاري: منكر الحديث، وقال ابن معين: لا يساوي فلسًا. وقال ابن عدي2: عامة مروياته موضوعة، وروي أيضًا من طريق جميل بن زيد3 وهو مجهول.
وذهب الجمهور أيضًا إلى أن إجماع العترة وحدها ليس بحجة، وقالت الزيدية4 والإمامية: هو حجة، واستدلوا بقوله سبحانه وتعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} 5، والخطأ رجس فوجب أن يكونوا مطهرين عنه.
وأجيب: بأن سياق الآية يفيد أنه في نسائه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ويجاب عن هذا الجواب: بأنه قد ورد الدليل الصحيح أنها نزلت في علي وفاطمة والحسنين، وقد أوضحنا الكلام في هذا في تفسيرنا الذي سميناه "فتح القدير"6 فليرجع إليه ولكن لا يخفاك أن كون الخطأ رجس لا يدل عليه لغة ولا شرع فإن معناه في اللغة القذر، ويطلق في الشرع على العذاب كما في قوله سبحانه وتعالى: {قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَب} 7 وقوله: {مِنْ رِجْزٍ أَلِيم} 8 والرجز الرجس. واستدلوا بمثل قوله تعالى: {قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} 9، وبأحاديث كثيرة جدًّا تشتمل على مزيد شرفهم وعظيم فضلهم، ولا دلالة فيها على حجية قولهم وقد أبعد من استدل بها على ذلك، وقد عرفناك في حجية إجماع أهل الأمة ما هو الحق، ووروده على القول بحجية بعضها أولى.
__________
1 هو حمزة بن أبي حمزة، ميمون، الجعفي، الجزري، النصيبي، نسبة إلى بلدة نصيبين في الجزيرة، روى عن عمر بن دينار وابن أبي مليكة، وجماعة، وروى عنه حمزة الزيات ويحيى بن أيوب وجماعة. ا. هـ. تهذيب التهذيب "3/ 28".
2 هو الإمام الحافظ الناقد، الجوال، عبد الله بن عدي بن عبد الله، أبو أحمد صاحب كتاب "الكامل" في الجرح والتعديل، ولد سنة سبع وسبعين ومائتين، وتوفي سنة خمس وستين وثلاثمائة هـ، ا. هـ. سير أعلام النبلاء "16/ 154"، شذرات الذهب "3/ 51"، هدية العارفين "1/ 447".
3 هو الطائي، الكوفي، روى عن ابن عمر وكعب بن زيد، وروى عنه الثوري، وابن عياش، ذكره العقيلي في الضعفاء، قال عنه ابن حبان: واهي الحديث. ا. هـ. تهذيب التهذيب "2/ 114".
4 هى فرقة من الشيعة وهم أتباع زيد بن علي بن الحسين، ساقوا الإمامة في أولاد فاطمة رضي الله عنها، ولم يجوزوا ثبوت الإمامة في غيرهم. ا. هـ. الملل والنحل "1/ 154".
5 جزء من الآية "33" من سورة الأحزاب.
6 واسمه: "فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من التفسير" للقاضي أبي عبد الله محمد بن علي الشوكاني. ا. هـ. ذيل كشف الظنون "2/ 169".
7 جزء من الآية "71" من سورة الأعراف.
8 جزء من الآية "5" من سورة سبأ، والآية "11" من سورة الجاثية.
9 جزء من الآية "23" من سورة الشورى.
(1/222)

الفصل التاسع: في عدم اعتبار من سيوجد في الإجماع
...
البحث التاسع: في عدم اعتبار من سيوجد في الإجماع
اتفق القائلون بحجية الإجماع أنه لا يعتبر من سيوجد، ولو اعتبر ذلك لم يكن ثَمَّ إجماع إلا عند قيام الساعة، وعند ذلك لا تكليف فلا يكون في الإجماع فائدة، وقد روي الخلاف في ذلك عن أبي عيسى "الوراق1"* وأبي عبد الرحمن الشافعي، كما حكاه الأستاذ أبو منصور.
__________
* في "أ": الوراث وهو تحريف.
__________
1 هو محمد بن هارون، الوراق، أبو عيسى، باحث معتزلي، من أهل بغداد توفي فيها سنة سبع وأربعين ومائتين هـ، له تصانيف منها "المقالات في الإمامة" "المجالس". ا. هـ. الأعلام "7/ 128" معجم المؤلفين "12/ 85"، وعزاه إلى مروج الذهب "7/ 236".
(1/223)

الفصل العاشر: في حكم انقراض عصر أهل الإجماع في حجية إجماعهم
...
البحث العاشر: في حكم انقراض عصر أهل الإجماع في حجية إجماعهم
اختلفوا هل يشترط انقراض عصر أهل الإجماع في حجية إجماعهم أم لا؟
فذهب الجمهور إلى أنه لا يشترط، وذهب جماعة من الفقهاء، ومنهم أحمد بن حنبل وجماعة من المتكلمين منهم الأستاذ أبو بكر بن فورك إلى أنه يشترط.
وقيل: إن كان الإجماع بالقول والفعل أو بأحدهما فلا يشترط، وإن كان الإجماع بالسكوت عن مخالفة القائل فيشترط، روي هذا عن أبي علي الجبائي، وقال الجويني: إن كان عن قياس كان شرطًا وإلا فلا.
(1/223)

الفصل الحادي عشر: الإجماع السكوتي
...
البحث الحادي عشر: الإجماع السكوتي
وهو أن يقول بعض أهل الاجتهاد بقول، وينتشر في المجتهدين من أهل ذلك العصر فيسكتون، ولا يظهر منهم اعتراف، ولا إنكار.
(1/223)

وفيه مذاهب:
الأول:
أنه ليس بإجماع ولا حجة، قاله داود الظاهري، وابنه والمرتضى وعزاه القاضي إلى الشافعي واختاره وقال: إنه آخر أقوال الشافعي. وقال الغزالي، والرازي، والآمدي: إنه نص الشافعي في الجديد، وقال الجويني: إنه ظاهر مذهبه.
والقول الثاني:
أنه إجماع وحجة وبه قال جماعة من الشافعية، وجماعة من أهل الأصول، وروي نحوه عن الشافعي.
قال الأستاذ أبو إسحاق: اختلف أصحابنا في تسميته إجماعا، مع اتفاقهم على وجوب العمل به.
وقال أبو حامد الإسفراييني1: هو حجة مقطوع بها، وفي تسميته إجماعًا "وجهان"* أحدهما المنع وإنما هو حجة كالخبر، والثاني يسمى إجماعًا وهو قولنا. انتهى.
واستدل القائلون بهذا القول، بأن سكوتهم ظاهر في الموافقة إذ يبعد سكوت الكل مع اعتقاد المخالفة عادة فكان ذلك محصلًا للظن بالاتفاق.
وأجيب باحتمال أن يكون سكوت من سكت على الإنكار لتعارض الأدلة عنده، أو لعدم حصول ما يفيده الاجتهاد في تلك الحادثة إثباتًا أو نفيًا أو للخوف على نفسه أو ذلك من الاحتمالات.
القول الثالث:
أنه حجة وليس بإجماع، قاله أبو هاشم، وهو أحد الوجهين عند الشافعي كما سلف، وبه قال الصيرفي واختاره الآمدي، قال الصفي الهندي: ولم يصر أحد إلى عكس هذا القول يعني أنه اجتماع لا حجة، ويمكن القول به كالإجماع المروي بالأحاديث عند من لم يقل بحجيته.
القول الرابع:
أنه إجماع بشرط انقراض العصر؛ لأنه يبعد مع ذلك أن يكون السكوت لا عن رضا، وبه قال أبو علي الجبائي، وأحمد في رواية عنه، ونقله ابن فورك "كتابه"2 في كتاب عن أكثر
__________
* في "أ": قولان.
__________
1 هو أحمد بن أبي طاهر، الأستاذ، العلامة، شيخ الإسلام، أبو حامد، ولد سنة أربع وأربعين وثلاثمائة هـ، توفي سنة ست وأربعمائة هـ، كان يفتي وهو ابن سبع عشرة سنة، ا.هـ، سير أعلام النبلاء "17/ 193". شذرات الذهب "3/ 178".
2 لعل المراد هو "شرحه على أوائل الأدلة في أصول الدين" للإمام أبي القاسم البلخي، الذي أملاه ابن فورك إملاء، وهي عبارة عن مسائل على طريقة الإملاء، لا كالشروح المعهودة. ا. هـ. كشف الظنون "1/ 200".
(1/224)

أصحاب الشافعي، ونقله الأستاذ أبو طاهر البغدادي1 عن الحذاق منهم، واختاره ابن القطان والروياني. قال الرافعي2: إنه أصح الأوجه عند أصحاب الشافعي، وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في "اللمع": إنه المذهب قال: فأما قبل الانقراض ففيه طريقان إحداهما: أنه ليس بحجة قطعًا والثانية على وجهين.
القول الخامس:
أنه إجماع إن كان فتيا لا حكمًا، وبه قال ابن أبي هريرة كما حكاه عنه الشيخ أبو إسحاق والماوردي والرافعي وابن السمعاني والآمدي وابن الحاجب.
ووجه هذا القول أنه لا يلزم من صدوره عن الحاكم أن يكون قاله على وجه الحكم.
وقيل: وجهه أن الحاكم لا يعترض عليه في حكمه، فلا يكون السكوت دليل الرضا، ونقل ابن السمعاني عن ابن أبي هريرة أنه احتج لقوله هذا بقوله: إنا نحضر مجلس بعض الحكام ونراهم يقضون بخلاف مذهبنا ولا ننكر ذلك عليهم فلا يكون سكوتنا رضا منا بذلك.
القول السادس:
أنه إجماع إن كان صادرًا عن "حكم، لا إن كان صادرًا عن"* فتيا، قاله أبو إسحاق المروزي، وعلل ذلك بأن الأغلب أن الصادر من الحاكم يكون عن مشاورة، وحكاه ابن القطان عن الصيرفي.
القول السابع:
أنه إن وقع في شيء يفوت استدراكه من إراقة دم، أو استباحة فرج كان إجماعًا وإلا فهو حجة وفي كونه إجماعًا، وجهان حكاه الزركشي، ولم ينسبه إلى قائل.
القول الثامن:
إن كان الساكتون أقل كان إجماعا، وإلا فلا، قاله أبو بكر الرازي، وحكاه شمس الأئمة السرخسي عن الشافعي قال: الزركشي، وهو غريب لا يعرفه أصحابه.
القول التاسع:
إن كان في عصر الصحابة كان إجماعًا وإلا فلا، قال الماوردي في "الحاوي" والروياني في "البحر": إن كان عصر الصحابة فإذا قال الواحد منهم قولًا أو
__________
* ما بين قوسين ساقط من "أ".
__________
1 هو أحمد بن علي بن عبيد الله بن عمر، الإمام مقرئ العصر ابن سوار، الضرير، أحد الحذاق، ولد سنة اثنتي عشرة وأربعمائة هـ، توفي سنة ست وتسعين وأربعمائة هـ، ببغداد. ا. هـ. سير أعلام النبلاء "19/ 225" شذرات الذهب "3/ 403"، معجم الأدباء "4/ 46".
2 هو عبد الكريم بن محمد، الرافعي القزويني، أبو القاسم، شيخ الشافعية، كان له مجلس بقزوين للتفسير والحديث، ولد سنة خمس وخمسين وخمسمائة هـ، وتوفي سنة ثلاث وعشرين وستمائة هـ، من آثاره: "التدوين في ذكر أخبار قزوين". ا. هـ. سير أعلام النبلاء "22/ 252"، شذرات الذهب "5/ 108"، الأعلام "4/ 55".
(1/225)

حكم به فأمسك الباقون فهذا ضربان:
أحدهما: مما يفوت استدراكه كإراقة دم واستباحة فرج، فيكون إجماعًا لأنهم لو اعتقدوا خلافه لأنكروه؛ إذ لا يصح منهم أن يتفقوا على ترك إنكار منكر. والثاني* إن كان مما لا يفوت استدراكه كان حجة لأن الحق لا يخرج عن غيرهم وفي كونه إجماعًا يمنع الاجتهاد وجهان لأصحابنا: أحدهما: يكون إجماعًا لا يسوغ معه الاجتهاد، والثاني: لا يكون إجماعًا سواء كان القول فتيا أو حكمًا على الصحيح.
القول العاشر:
أن ذلك إن كان مما يدوم ويتكرر وقوعه والخوض فيه فإنه يكون السكوت إجماعًا، وبه قال إمام الحرمين الجويني.
قال الغزالي في "المنخول": المختار أنه لا يكون حجة إلا في صورتين:
أحدهما: سكوتهم وقد قطع بين أيديهم قاطع لا في مظنة القطع والدواعي تتوفر على الرد عليه.
الثاني: ما يسكتون عليه على استمرار العصر، وتكون الواقعة بحيث لا يبدي أحد خلافًا فأما إذا حضروا مجلسًا فأفتى واحد وسكت آخرون فذلك اعتراض لكون المسألة مظنونة، والأدب يقتضي أن لا يعترض على القضاة والمفتين.
القول الحادي عشر:
أنه إجماع بشرط إفادة القرائن العلم بالرضا، وذلك بأن يوجد من قرائن الأحوال ما يدل على رضا الساكتين بذلك القول، واختار هذا الغزالي في المستصفى1، وقال بعض المتأخرين: إنه أحق الأقوال لأن إفادة القرائن العلم بالرضا، كإفادة النطق له فيصير كالإجماع القطعي.
القول الثاني عشر:
أنه يكون حجة قبل استقرار المذاهب لا بعدها، فإنه لا أثر للسكوت، لما تقرر عند أهل المذاهب من عدم إنكار بعضهم على بعض إذا أفتى أو حكم بمذهبه مع مخالفته لمذاهب غيره، وهذا التفصيل لا بد منه على جميع المذاهب السابقة هذا في الإجماع السكوتي إذا كان سكوتًا عن قول "لمذهب"**.
__________
* زيادة يقتضيها السياق.
** ما بين قوسين ساقط من "أ".
__________
1 واسمه: "المستصفى في أصول الفقه" للإمام أبي حامد الغزالي، وصفه بأنه بسيط كالإحياء، ووجيز كجواهر القرآن، ووسيط ككيمياء السعادة، عليه تعاليق لسليمان بن محمد الغرناطي، ا. هـ. كشف الظنون "2/ 1673".
(1/226)

وأما لو اتفق أهل الحل والعقد على عمل، ولم يصدر منهم قول واختلفوا في ذلك، فقيل إنه كفعل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لأن العصمة ثابتة لإجماعهم كثوبتها للشارع، فكانت أفعالهم كأفعاله وبه قطع الشيخ أبو إسحاق الشيرازي وغيره. وقال الغزالي في المنخول: إنه المختار، وقيل بالمنع ونقله الجويني عن القاضي إذ لا يتصور تواطؤ قوم لا يحصون عددًا على فعل واحد من غير "أرب"* فالتواطؤ عليه غير ممكن.
وقيل: إنه ممكن، ولكنه محمول على الإباحة حتى يقوم دليل على الندب أو الوجوب، وبه قال الجويني.
قال القرافي: وهذا تفصيل حسن، وقيل إن كل فعل خرج مخرج البيان أو مخرج الحكم لا ينعقد به الإجماع، وبه قال ابن السمعاني
__________
* في "أ": أرباب وهو تحريف.
(1/227)

الفصل الثاني عشر: حكم الإجماع على شيء بعد الإجماع على خلافه
...
البحث الثاني عشر: حكم الإجماع على شيء بعد الإجماع على خلافه
هل يجوز الإجماع على شيء قد وقع الإجماع على خلافه؟
فقيل: إن كان الإجماع الثاني من المجمعين على الحكم الأول كما لو اجتمع أهل "عصر"* على حكم ثم ظهر لهم ما يوجب الرجوع عنه وأجمعوا على ذلك الذي ظهر لهم ففي جواز الرجوع خلاف مبني على الخلاف المتقدم في اشتراط انقراض عصر أهل الإجماع، فمن اعتبره جوز ذلك ومن لم يعتبره لم يجوزه، أما إذا كان الإجماع من غيرهم فمنعه الجمهور؛ لأنه يلزم تصادم الإجماعين، وجوزه أبو عبد الله البصري، قال الرازي: وهو الأولى، واحتج الجمهور بأن كون الإجماع "الأول"** حجة يقتضي امتناع حصول إجماع آخر مخالف له. وقال أبو عبد الله البصري: إنه لا يقتضي ذلك، لإمكان تصور كونه حجة إلى غاية هي حصول إجماع آخر، قال الصفي الهندي: ومأخذ أبي عبد الله قوي. وحكى أبو الحسن السهيلي في"أدب*** الجدل" له في هذه المسألة أنها إذا أجمعت الصحابة على قول ثم أجمع التابعون على قول آخر، فعن الشافعي جوابان:
أحدهما: وهو الأصح أنه لا يجوز وقوع مثله لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخبر أن أمته لا تجتمع على ضلالة
والثاني: لو صح وقوعه فإنه يجب على التابعين الرجوع إلى قول الصحابة، قال: وقيل: إن كل واحد منهما حق وصواب، على قول من يقول: إن كل مجتهد مصيب، وليس بشيء. انتهى.
__________
* في "أ": مصر.
** ما بين قوسين ساقط من "أ".
*** في "أ": آداب الجدل.
(1/227)

الفصل الثالث عشر: في حدوث الإجماع بعد سبق الخلاف
...
البحث الثالث عشر: في حدوث الإجماع بعد سبق الخلاف
قال الرازي في "المحصول": إذا اتفق أهل العصر الثاني على أحد قولي أهل العصر الأول كان ذلك إجماعًا لا تجوز مخالفته خلافًا لكثير من المتكلمين وكثير من "فقهاء"* الشافعية والحنفية.
وقيل: هذه المسألة على وجهين:
أحدهما: أن لا يستقر الخلاف، وذلك بأن يكون أهل الاجتهاد في مهلة النظر، ولم يستقر لهم قول كخلاف الصحابة رضي الله تعالى عنهم في قتال مانعي الزكاة، وإجماعهم عليه بعد ذلك. فقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في "اللمع" صارت المسألة إجماعية بلا خلاف، وحكى الجويني والهندي أن الصيرفي خالف في ذلك.
الوجه الثاني: أن يستقر الخلاف ويمضي عليه مدة، فقال القاضي أبو بكر بالمنع وإليه مال الغزالي ونقله ابن برهان في "الوجيز" عن الشافعي، وجزم به الشيخ أبو إسحاق في "اللمع"، ونقل الجويني عن أكثر أهل الأصول الجواز، واختاره الرازي والآمدي، وقيل بالتفصيل، وهو الجواز فيما كان دليل خلافه "الأمارة والاجتهاد دون ما كان دليل خلافه"** القاطع عقليًّا كان أو نقليًّا، ونقل الأستاذ أبو منصور إجماع أصحاب الشافعي على أنه حجة، وبذلك جزم الماوردي والروياني.
فأما لو وقع الخلاف بين "أهل"*** عصر ثم ماتت إحدى الطائفتين من المختلفين وبقيت الطائفة الأخرى، فقال الأستاذ أبو إسحاق: إنه يكون قول الباقين إجماعًا واختاره الرازي والهندي، قال الرازي في "المحصول": لأن بالموت ظهر اندراج قول ذلك القسم وحده تحت أدلة الإجماع، ورجح القاضي في التقريب أنه لا يكون إجماعًا قال: لأن الميت في حكم الباقي الموجود، والباقون هم بعض الأمة لا كلها، وجزم به الأستاذ أبو منصور البغدادي في
__________
* في "أ": الفقهاء.
** ما بين قوسين ساقط من "أ".
*** ما بين قوسين ساقط من "أ".
(1/228)

كتاب "الجدل"1، وكذا الخوارزمي في "الكافي"2، وحكى أبو بكر الرازي في هذه المسألة قولًا ثالثًا، فقال: إن لم يسوغوا فيه الاختلاف صار حجة؛ لأن قول الطائفة المتمسكة بالحق لا يخلو منه زمان، وقد شهدت ببطلان قول المنقرضة فوجب أن يكون قولها حجة، وإن سوغوا فيه الاجتهاد لم يصر إجماعًا لإجماع الطائفتين على تسويغ الخلاف.
__________
1 للبغدادي كتاب اسمه "معيار النظر" ولعله مراد المؤلف؛ لأننا لم نجد له كتابًا مسمى باسم "الجدل"، ا. هـ. هدية العارفين "1/ 606".
2 هو محمد بن محمد بن العباس بن أرسلان، أبو محمد، الخوارزمي الشافعي، ظهير الدين، فقيه، محدث، مؤرخ، صوفي، واعظ، كان يعظ بالمدرسة النظامية، ثم رجع إلى بلده، وتوفي فيها سنة ثمانٍ وستين وخمسمائة هـ، من آثاره: "تاريخ خوارزم" في ثمانية أجزاء و"الكافي" في الفقه. ا. هـ. هدية العارفين "2/ 403" معجم المؤلفين "12/ 196".
(1/229)

الفصل الرابع عشر: إذا اختلفت أهل العصر في مسألة على قولين
...
البحث الرابع عشر: إذا اختلف أهل العصر في مسألة على قولين
فهل يجوز لمن بعدهم إحداث قول ثالث
اختلفوا في ذلك على أقوال:
الأول:
المنع مطلقًا؛ لأنه كاتفاقهم على أنه لا قول سوى هذين القولين، قال الأستاذ أبو منصور، وهو قول الجمهور، قال إلكيا: إنه صحيح وبه الفتوى، وجزم به القفال الشاشي والقاضي أبو الطيب الطبري والروياني، والصيرفي ولم يحكيا خلافه إلا عن بعض المتكلمين، وحكى ابن القطان الخلاف في ذلك عن داود.
القول الثاني:
الجواز مطلقًا حكاه ابن برهان وابن السمعاني عن بعض الحنفية والظاهرية، ونسبه جماعة منهم القاضي عياض إلى داود وأنكر ابن حزم على من نسبه إلى داود.
القول الثالث:
أن ذلك القول الحادث بعد القولين إن لزم منه رفعهما لم يجز إحداثه وإلا جاز، وروي هذا التفصيل عن الشافعي واختاره المتأخرون من أصحابه، ورجحه جماعة من الأصوليين منهم ابن الحاجب، واستدلوا له بأن القول الحادث الرافع للقولين مخالف لما وقع الإجماع عليه، والقول الحادث الذي لم يرفع القولين غير مخالف لهما، بل موافق لكل واحد منهما من بعض الوجوه.
ومثل الاختلاف على قولين: الاختلاف على ثلاثة أو أربعة أو أكثر من ذلك، فإنه يأتي في القول الزائد على الأقوال التي اختلفوا فيها ما يأتي في القول الثالث من الخلاف.
ثم لا بد من تقييد هذه المسألة بأن يكون الخلاف فيها على قولين أو أكثر قد استقر أما إذا لم يستقر فلا وجه للمنع من إحداث قول آخر.
(1/229)

الفصل الخامس عشر: في حكم إحداث دليل أو تأويل من غير إلغاء الدليل أو التأويل الأول
...
البحث الخامس عشر: في حكم إحداث دليل أو تأويل من غير إلغاء الدليل أو التأويل الأول
إذا استدل أهل العصر بدليل وأولوا بتأويل فهل يجوز لمن بعدهم إحداث دليل آخر من غير إلغاء للأول، أو إحداث تأويل غير التأويل الأول؟
فذهب الجمهور: إلى جواز ذلك؛ لأن الإجماع والاختلاف إنما هو في الحكم على الشيء بكونه كذا، وأما في الاستدلال بالدليل أو العمل بالتأويل فليس من هذا الباب.
قال ابن القطان: وذهب بعض أصحابنا إلى أنه ليس لنا أن نخرج عن دلالتهم، ويكون إجماعًا على الدليل لا على الحكم.
وأجيب عنه: بأن المطلوب من الأدلة أحكامها لا أعيانها، نعم إن أجمعوا على إنكار الدليل الثاني لم يجز إحداثه لمخالفة الإجماع، وذهب بعض أهل العلم إلى الوقف، وذهب ابن حزم إلى التفصيل بين النص فيجوز الاستدلال به وبين غيره فلا يجوز، "وذهب ابن برهان إلى تفصيل آخر بين الدليل الظاهر فلا يجوز"* إحداثه وبين الخفي فيجوز، لجواز اشتباهه على الأولين.
قال أبو الحسين البصري: إلا أن يكون في صحة ما استدلوا به إبطال ما أجمعوا عليه. وقال سليم الرازي: إلا أن يقولوا ليس فيها دليل إلا الذي ذكرناه فيمتنع.
وأما إذا عللوا الحكم بعلة فهل يجوز لمن بعدهم أن يعلله بعلة أخرى؟ فقال الأستاذ أبو منصور وسليم الرازي: هي كالدليل في جواز إحداثها، إلا إذا قالوا: لا علة إلا هذه، أو تكون العلة الثانية مخالفة للعلة الأولى في بعض الفروع فتكون حينئذ الثانية فاسدة
__________
* ما بين قوسين ساقط من "أ".
(1/230)

الفصل السادس عشر: في وجود دليل لا معارض له لم يعلمه أهل الإجماع
...
البحث السادس عشر: في وجود دليل لا معارض له لم يعلمه أهل الإجماع
هل يمكن وجود دليل لا معارض له اشتراك أهل الإجماع في عدم العلم به؟
قيل: بالجواز إن كان عمل الأمة موافقًا له، وعدمه إن كان مخالفًا له، واختار هذا الآمدي، وابن الحاجب، والصفي الهندي، وقيل: بالجواز مطلقًا، وقيل: بالمنع مطلقًا. قال الرازي في "المحصول": يجوز اشتراك الأمة في عدم العلم بما لم يكفلوا به؛ لأن عدم العلم بذلك الشيء
(1/230)

إذا كان صوابًا لم يلزم من إجماعهم عليه محذور.
وللمخالف أن يقول: لو اجتمعوا على عدم العلم بذلك الشيء لكان عدم العلم به سبيلًا لهم، وكان يجب اتباعهم فيه حتى يحرم تفصيل العلم به.
قال الزركشي في "البحر": هما مسألتان:
إحداهما: هل يجوز اشتراك الأمة في الجهل بما لم يكلفوا به؟ فيه قولان.
الثانية: هل يمكن وجود خبر أو دليل لا معارض له وتشترك الأمة في عدم العلم به.
وأما "إذا ذكر"* واحد من المجمعين خبرًا عن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يشهد بصحة الحكم الذي انعقد عليه الإجماع.
فقال ابن برهان في "الوجيز": إنه يجب عليه ترك العمل بالحديث "والإصرار على الإجماع، وقال قوم من الأصوليين: بل يجب عليه الرجوع إلى موجب ا لحديث"**، وقال قوم: إن ذلك يستحيل وهو الأصح من المذاهب فإن الله سبحانه عصم الأمة عن نسيان حديث في الحادثة، ولولا ذلك خرج الإجماع عن أن يكون قطعيًّا، وبناه في "الأوسط"1 على الخلاف في انقراض العصر، فمن قال: ليس بشرط منع الرجوع، ومن اشترط جوزه، والجمهور على الأول لأنه يتطرق إلى الحديث احتمالات من النسخ، والتخصيص ما لا يتطرق إلى الإجماع
__________
* في "أ": ذكر.
** ما بين قوسين ساقط من "أ".
__________
1 واسمه "الأوسط في أصول الفقه"، للشهاب أحمد بن علي المعروف بابن برهان الشافعي، المتوفى سنة ثماني عشرة وخمسمائة. ا. هـ. كشف الظنون "1/ 201".
(1/231)

الفصل السابع عشر: قول العوام في الإجماع
مدخل
...
البحث السابع عشر: قول العوام في الإجماع
لا اعتبار بقول العوام في الإجماع، ولا وفاقًا ولا خلافا، عند الجمهور لأنهم ليسوا من أهل النظر في الشرعيات، ولا يفهمون الحجة ولا يعقلون البرهان.
وقيل: يعتبر قولهم لأنهم من جملة الأمة، وإنما كان قول الأمة حجة لعصمتها من الخطأ ولا يمتنع أن تكون العصمة لجميع الأمة عالمها وجاهلها، حكى هذا القول ابن الصباغ وابن برهان عن بعض المتكلمين، واختاره الآمدي ونقله الجويني، وابن السمعاني، والصفي الهندي عن القاضي أبي بكر
(1/231)

قال في "مختصر التقريب"1: فإن قال قائل: فإذا أجمع "علماء"* الأمة على حكم من الأحكام "فهل يطلقون القول بأن الأمة أجمعت عليه؟ قلنا: من الأحكام"** مما يحصل فيه اتفاق الخاص والعام، كوجوب الصلاة والزكاة، وغيرهما فما هذا سبيله يطلق القول بأن الأمة أجمعت عليه، وأما ما أجمع عليه العلماء من أحكام الفروع التي تشذ عن العوام فقد اختلف أصحابنا في ذلك، فقال بعضهم: العوام يدخلون في حكم الإجماع، وذلك أنهم وإن لم يعرفوا تفاصيل الأحكام فقد عرفوا على الجملة أن ما أجمع عليه علماء الأمة في تفاصيل الأحكام فهو مقطوع به فهذا مساهمة منهم في الإجماع وإن لم يعلموا على التفصيل.
ومن أصحابنا من زعم "أنهم"*** لا يكونون مساهمين في الإجماع، فإنه إنما يتحقق الإجماع في التفاصيل بعد العلم بها، فإذا لم يكونوا عالمين بها فلا يتحقق كونهم من أهل الإجماع.
قال أبو الحسين في "المعتمد"2: اختلفوا في اعتبار قول العامة في المسائل الاجتهادية، فقال قوم العامة وإن وجب عليها اتباع العلماء، فإن إجماع العلماء لا يكون حجة على أهل العصر حتى لا تسوغ مخالفتهم إلا بأن يتبعهم العامة من أهل عصرهم، فإن لم يتبعوهم لم يجب على أهل العصر الثاني من العلماء اتباعهم.
وقال آخرون: بل هو حجة مطلقا، وحكى القاضي عبد الوهاب، وابن السمعاني أن العامة معتبرة في الإجماع في العام دون الخاص.
قال الروياني في "البحر"3: إن اختص بمعرفة الحكم العلماء كنصب الزكوات، وتحريم نكاح المرأة وعمتها وخالتها لم يعتبر، وفاق العامة معهم وإن اشترك في معرفته الخاصة والعامة كأعداد الركعات وتحريم بنت البنت فهل يعتبر إجماع العوام معهم فيه وجهان أصحهما لا يعتبر لأن الإجماع إنما يصح عن نظر واجتهاد والثاني يعم لاشتراكهم في العلم به.
قال سليم الرازي: إجماع الخاصة هل يحتاج معهم فيه إلى إجماع العامة، فيه وجهان والصحيح أنه لا يحتاج فيه إليهم. قال الجويني: حكم المقلد حكم العامي في ذلك؛ إذ لا واسطة بين المقلد والمجتهد.
__________
* ما بين قوسين ساقط من "أ".
** ما بين قوسين ساقط من "أ".
*** ما بين قوسين ساقط من "أ".
__________
1 وهو للإمام أبي المعالي، عبد الملك بن عبد الله الجويني، الشافعي، لخصه من كتاب "التقريب في الفروع" للإمام قاسم بن محمد القفال الشاشي. ا. هـ. كشف الظنون "1/ 466".
2 واسمه: "المعتمد في أصول الفقه". لأبي الحسين محمد بن علي، البصري، المعتزلي، الشافعي وهو كتاب كبير، ومنه أخذ فخر الدين الرازي كتاب "المحصول". ا. هـ. كشف الظنون "2/ 1732".
3 واسمه: "بحر المذهب في الفروع" للشيخ الإمام عبد الواحد بن إسماعيل الروياني، وهو بحر كاسمه. ا. هـ. كشف الظنون "1/ 226".
(1/232)

فرع: إجماع العوام
إجماع العوام عند خلو الزمان عن مجتهد عند من قال بجواز خلوه عنه هل يكون حجة أم لا؟ فالقائلون باعتبارهم في الإجماع، مع وجود المجتهدين يقولون بأن إجماعهم حجة، والقائلون بعدم اعتبارهم لا يقولون بأنه حجة، وأما من قال بأن الزمان لا يخلو عن قائم بالحجة فلا يصح عنده هذا التقدير.
(1/233)

الفصل الثامن عشر: الإجماع المعتبر
...
البحث الثامن عشر: الإجماع المعتبر
الإجماع المعتبر في فنون العلم هو إجماع أهل ذلك الفن العارفين به دون من عداهم، فالمعتبر في الإجماع في المسائل الفقهية قول جميع الفقهاء، وفي المسائل الأصولية قول جميع الأصوليين، وفي المسائل النحوية قول جميع النحويين ونحو ذلك، ومن عدا أهل ذلك الفن هو في حكم العوام فمن اعتبرهم في الإجماع اعتبر غير أهل الفن ومن لا فلا.
وخالف في ذلك ابن جني فقال في كتاب "الخصائص"1: إنه لا حجة في إجماع النحاة. قال الزركشي في "البحر": ولا خلاف في اعتبار قول المتكلم في الكلام، والأصولي في الأصول وكل واحد يعتبر قوله إذا كان من أهل الاجتهاد في ذلك الفن، وأما الأصولي الماهر المتصرف في الفقه ففي اعتبار خلافه في الفقه وجهان حكاهما الماوردي، وذهب القاضي إلى أن خلافه معتبر، قال الجويني: وهو الحق.
وذهب معظم الأصوليين منهم أبو الحسن ابن القطان إلى أن خلافه لا يعتبر لأنه ليس من المفتين، ولو وقعت له واقعة لزم أن يستفتي المفتي فيها، قال إلكيا: والحق قول الجمهور لأن من أحكم "الأصلين"* الأصوليين فهو مجتهد فيهما، قال الصيرفي في كتاب "الدلائل"2: إجماع العلماء لا مدخل لغيرهم فيه سواء المتكلم وغيره وهم الذين تلقنوا العلم من الصحابة وإن اختلفت آراؤهم وهم القائمون بعلم الفقه، وأما من انفرد بالكلام لم يدخل في جملة العلماء فلا يعد خلافًا على من ليس مثله وإن كانوا حذاقًا بدقائق الكلام.
__________
* في "أ": الأصولين.
__________
1 وهو كتاب في النحو لأبي الفتح عثمان بن جني، قال السيوطي في اقتراحه، وضعه في أصول النحو وجدله، ولكن أكثره خارج عن هذا. ا. هـ. كشف الظنون "1/ 706".
2 واسمه: "دلائل الإعلام على أصول الأحكام" للإمام أبي بكر محمد بن عبد الله، الصيرفي، البغدادي، وهو كتاب في أصول الفقه. ا. هـ. ذيل كشف الظنون "1/ 476".
(1/233)

الفصل التاسع عشر: مخالفة واحد من المجتهدين لأهل الإجماع
...
البحث التاسع عشر: مخالفة واحد من المجتهدين لأهل الإجماع
إذا خالف أهل الإجماع واحد من المجتهدين فقط فذهب الجمهور إلى أنه لا يكون إجماعًا ولا حجة، قال الصيرفي: ولا يقال لهذا شاذ؛ لأن الشاذ من كان في الجملة ثم شذ "عنهم"* كيف يكون محجوجًا بهم ولا يقع اسم الإجماع إلا به قال: إلا أن يجمعوا على شيء من جهة الحكاية فيلزمه قبول قولهم أما من جهة الاجتهاد فلا لأن الحق قد يكون معه. وقال الغزالي: والمذهب انعقاد إجماع الأكثر مع مخالفة الأقل ونقله الآمدي عن محمد بن جرير الطبري وأبي الحسين الخياط1 من معتزلة بغداد.
قال الشيخ أبو محمد الجويني2 والد إمام الحرمين والشرط أن يجمع جمهور تلك الطبقة ووجوههم ومعظمهم ولسنا نشترط قول جميعهم، وكيف نشترط ذلك وربما يكون في أقطار الأرض من المجتهدين من لم نسمع به فإن السلف الصالح كانوا "يعلمون"** ويتسترون بالعلم فربما كان الرجل قد أخذ الفقه الكثير ولا يعلم به جاره قال: والدليل على هذا أن الصحابة لما استخلفوا "أبا بكر" انعقدت خلافته بإجماع الحاضرين ومعلوم أن من الصحابة من غاب قبل وفاة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى بعض البلدان ومن حاضري المدينة من لم يحضر البيعة، ولم يعتبر ذلك مع اتفاق الأكثرين
__________
* ما بين قوسين ساقط من "أ".
** في "أ": يعلمون.
__________
1 هو عبد الرحيم بن محمد، أبو الحسن، شيخ المعتزلة البغداديين، له الذكاء المفرط، والتصانيف المهذبة، كان من بحور العلم، وهو من نظراء الجبائي، تنسب إليه فرقة الخياطية، من آثاره: "الانتصار" "الاستدلال"، توفي نحو سنة ثلاثمائة هـ، ا. هـ. سير أعلام النبلاء "14/ 220"، الأعلام "3/ 347".
2 هو عبد الله بن يوسف بن عبد الله، شيخ الشافعية، أبو محمد، الطائي الجويني، والد إمام الحرمين، كان فقيهًا، مدققًا، محققًا، من آثاره: "التبصرة" "التذكرة" "التعليقة" "التفسير الكبير"، توفي سنة ثمانٍ وثلاثين وأربعمائة هـ، ا. هـ. سير أعلام النبلاء "17/ 617".
(1/234)

قال الصفي الهندي والقائلون بأنه إجماع مرادهم أنه ظني لا قطعي.
واحتج ابن جرير على عدم اعتبار قول الأقل بارتكابه الشذوذ المنهي عنه.
وأجيب عنه: بأن الشذوذ المنهي عنه هو ما يشق عصا المسلمين لا في أحكام الاجتهاد.
وقال الأستاذ أبو إسحاق: إن ابن جرير قد شذ عن الجماعة في هذه المسألة، فينبغي أن لا يعتبر خلافه.
وقيل: إنه حجة، وليس بإجماع، ورجحه ابن الحاجب فإنه قال: لو قدر المخالف مع كثرة المجمعين، لم يكن إجماعًا قطعيًّا، والظاهر: أنه حجة لبعد أن يكون الراجح متمسك المخالف.
وقيل: إن عدد الأقل أن بلغ عدد التواتر لم ينعقد إجماع غيرهم، وإن كانوا دون عدد التواتر انعقد الإجماع دونهم كذا حكاه الآمدي.
قال القاضي أبو بكر: إنه الذي يصح عن ابن جرير.
وقيل: أتباع الأكثر أولى ويجوز خلافه حكاه الهندي.
وقيل: إنه لا ينعقد "الإجماع"* مع مخالفة الاثني دون الواحد.
وقيل: لا ينعقد مع مخالفة الثلاثة دون الاثنين والواحد، حكاهما الزركشي في "البحر".
وقيل: إن استوعب الجماعة الاجتهاد فيها يخالفهم، كان خلاف المجتهد معتدًا به، كخلاف ابن عباس في العول1 وإن أنكروه لم يعتد بخلافه، وبه قال أبو بكر الرازي، وأبو عبد الله الجرجاني2 من الحنفية، قال شمس الأئمة السرخسي: إنه الصحيح.
__________
* في "أ": إجماع.
__________
1 لغة هو الميل إلى الجور، أو الغلبة، أو الرفع.
وفي الاصطلاح: هو أن يزاد على المخرج شيء من أجزائه إذا ضاق عن فرض، وقد أفتى الصحابة بالعول كعمر بن الخطاب، فإنه شاور الصحابة في مسألة وقعت في عهده، فأشار العباس بالعول، وقال: أعيلوا الفرائض، وتابعوه على ذلك، ولم ينكر أحد إلا ابنه بعد موت أبيه العباس، ا. هـ. شرح السراجية للجرجاني "117".
2 هو محمد بن يحيى بن مهدي، أبو عبد الله، الفقيه، الجرجاني، أحد الأعلام، تفقه على أبي بكر الرازي، توفي سنة ثمانٍ وتسعين وثلاثمائة هـ، ذفن بجانب قبر الإمام أبي حنيفة رضي الله عنهم أجمعين. ا. هـ. الفوائد البهية "202" الجواهر المضية "3/ 397".
(1/235)

الفصل الموفي عشرين: الإجماع المنقول بطريق الآحاد وحجيته
...
البحث الموفي عشرين: الإجماع المنقول بطريق الآحاد وحجيته
الإجماع المنقول بطريق الآحاد حجة، وبه قال الماوردي، وإمام الحرمين والآمدي، ونقل عن الجمهور اشتراط عدد التواتر، وحكى الرازي في "المحصول" عن الأكثر أنه ليس بحجة.
فقال: الإجماع المروي بطريق الآحاد حجة "خلافًا"* لأكثر الناس؛ لأن ظن وجوب العمل به حاصل، فوجب العمل به دفعًا للضرر المظنون، ولأن الإجماع نوع من الحجة، فيجوز التمسك بمظنونه، كما يجوز بمعلومه، قياسًا على السنة ولأنا بينا أن أصل الإجماع فائدة ظنية، فكذا القول في تفاصيله انتهى.
وأما عدد أهل الإجماع: فقيل: لا يشترط بلوغهم عدد التواتر خلافًا للقاضي، ونقل ابن برهان عن معظم العلماء: أنه يجوز انحطاط عددهم عقلًا عن عدد التواتر: وعن طوائف من المتكلمين أنه لا يجوز عقلًا، وعلى القول بالجواز فهل يكون إجماعهم حجة أم لا؟ فذهب جماعة من أهل العلم: إلى أنه حجة، وهو قول الأستاذ أبي إسحاق. وقال إمام الحرمين الجويني: يجوز ولكن لا يكون إجماعهم حجة. "قال الصفي الهندي: المشترطون اختلفوا فقيل: إنه لا يتصور أن ينقص عدد"** المجمعين عن عدد التواتر ما دام التكليف بالشريعة باقيا، ومنهم من زعم أن ذلك وإن كان يتصور، لكن يقطع بأن ما ذهب إليه دون عدد التواتر ليس سبيل المؤمنين؛ لأن إخبارهم عن إيمانهم لا يفيد القطع فلا تحرم مخالفته، ومنهم من زعم أنه وإن أمكن أن يعلم إيمانهم بالقرائن لا يشترط "فيه ذلك"*** بل يكفي فيه الظهور، لكن الإجماع إنما يكون حجة لكونه كاشفًا عن دليل قاطع، وهو يوجب كونه متواترًا، وإلا لم يكن قاطعًا فيما يقوم مقام نقله متواترًا وهو الحكم بمقتضاه يجب أن يكون صادرًا عن عدد التواتر، وإلا لم يقطع بوجوده.
قال الأستاذ: وإذا لم يبق في العصر إلا مجتهد واحد فقوله حجة "كالإجماع"****، ويجوز أن يقال للواحد أمة كما قال تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّة} 1 ونقله الصفي الهندي عن الأكثرين.
__________
* ما بين قوسين ساقط من "أ".
** ما بين قوسين ساقط من "أ".
*** في "أ": ذلك فيه.
**** في "أ": كإجماع.
__________
1 جزء من الآية "120" من سورة النحل.
(1/236)

قال الزركشي في "البحر": وبه جزم ابن سريج في كتاب "الودائع"1 فقال: وحقيقة الإجماع، هو القول بالحق ولو من واحد فهو إجماع وكذا إن حصل من اثنين أو ثلاثة.
والحجة على أن الواحد إجماع ما اتفق عليه الناس في أبي بكر رضي الله عنه "لما منعت بنو حنيفة من الزكاة"* فكانت "بمطالبة"** أبي بكر لها حقًّا عند الكل، وما انفرد لمطالبتها غيره، هذا كلامه، وخلاف إمام الحرمين فيه أولى، وهو الظاهر لأن الإجماع لا يكون إلا من اثنين فصاعدا، ونقل ابن القطان عن أبي هريرة أنه حجة.
قال إلكيا: المسألة مبنية على تصور اشتمال العصر على المجتهد الواحد، والصحيح تصوره، وإذا قلنا به ففي انعقاد الإجماع بمجرد قوله خلاف، وبه قال الأستاذ أبو إسحاق. قال: والذي حمله على ذلك أنه "لم ير في اختصاص"*** الإجماع بمحل معنى يدل عليه، فسوى بين العدد والفرد. وأما المحققون سواء فإنهم يعبرون العدد، ثم يقولون: المعتبر عدد التواتر، فإذًا مستند الإجماع مستند إلى طرد العادة بتوبيخ من يخالف العصر الأول، وهو يستدعي وفور عدد من الأولين وهذا لا يتحقق فيما إذا كان في العصر إلا مجتهد واحد، فإنه لا يظهر فيه استيعاب مدارك الاجتهاد.
__________
* في "أ": لما امتنعت بنو حنيفة من الزكاة.
** في "أ": مطالبة.
*** في "أ": لم يكن لاختصاص الإجماع.
__________
1 واسمه: "الوادئع لمنصوص الشرائع" لأبي العباس بن سريج، أحمد بن عمر، الشافعي، في مجلد متوسط يشتمل على أحكام مجردة عن الأدلة.
(1/237)

خاتمة:
قول القائل: لا أعلم خلافًا بين أهل العلم في كذا، قال الصيرفي: لا يكون إجماعا، لجواز الاختلاف، وكذا قال ابن حزم في "الأحكام"؛ وقال في كتاب "الإعراب"1: إن الشافعي نص عليه في "الرسالة"2، وكذلك أحمد بن حنبل، وقال ابن القطان: قول القائل لا أعلم خلافًا إن كان من أهل العلم فهو حجة، وإن لم يكن من الذين كشفوا الإجماع والاختلاف فليس بحجة.
وقال الماوردي: إذا قال لا أعرف بينهم خلافا، فإن لم يكن من أهل الاجتهاد وممن أحاط
__________
1 وهو لابن حزم، علي بن أحمد بن سعيد، وهو مخطوط، يتألف من "214" ورقة، كتب سنة إحدى وستين وسبعمائة في شستربتي "3482" ا. هـ. الأعلام "4/ 255".
2 وهي في أصول الفقه، للإمام محمد بن إدريس، الشافعي، صاحب المذهب، منها نسخة كتبت سنة "265" هـ في دار الكتب. ا. هـ. الأعلام "6/ 26".
(1/237)

بالإجماع والاختلاف، لم يثبت الإجماع بقوله، وإن كان من أهل الاجتهاد فاختلف أصحابنا فأثبت الإجماع "به قوم، ونفاه آخرون"*.
"قال ابن حزم"**: وزعم قوم أن العالم إذا قال لا أعلم خلافًا فهو إجماع، وهو قول فاسد، و"لو"*** قال ذلك محمد بن نصر المروزي1 فإنا لا نعلم أحدًا منه لأقاويل أهل العلم، ولكن فوق كل ذي علم عليم. وقد قال الشافعي في زكاة البقر لا أعلم خلافًا في أنه ليس في أقل من ثلاثين منها تبيع، والخلاف في ذلك مشهور فإن قومًا يرون الزكاة على خمس كزكاة الإبل.
وقال مالك في "موطئه" -وقد ذكر الحكم برد اليمين-: وهذا مما لا خلاف فيه بين أحد من الناس، ولا بلد من البلدان. والخلاف فيه شهير. وكان عثمان رضي الله عنه لا يرى رد اليمين، ويقضي بالنكول، وكذلك ابن عباس، ومن التابعين الحكم2 وغيره، وابن أبي ليلى، وأبو حنيفة وأصحابه، وهم كانوا القضاة في ذلك الوقت، فإذا كان مثل من ذكرنا يخفى عليه الخلاف فما ظنك بغيره.
__________
* في "أ": تكرار حاصل في العبارة وأيضًا ما بين قوسين ساقط منها.
** ما بين قوسين ساقط من "أ".
*** ما بين قوسين ساقط من "أ".
__________
1 هو محمد بن نصر بن الحجاج، المروزي، شيخ الإسلام، أبو عبد الله ولد ببغداد في سنة اثنتين ومائتين هـ، من آثاره: "تعظيم قدر الصلاة" "رفع اليدين" توفي سنة أربع وتسعين ومائتين هـ. ا. هـ. سير أعلام النبلاء "14/ 33" تهذيب التهذيب "9/ 489"، شذرات الذهب "2/ 216".
2 الحكم بن عتيبة، الإمام الكبير عالم أهل الكوفة، أبو محمد الكندي ويقال: أبو عمرو وأبو عبد الله، ولد نحو سنة ست وأربعين هـ، وتوفي سنة خمس عشرة ومائة هـ، "وترجح عندنا على غيره لتقدمه على غيره في الولادة والله أعلم" ا. هـ. سير أعلام النبلاء "5/ 208"، تهذيب التهذيب "2/ 432"، شذرات الذهب "1/ 151".


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق